قوله تعالى:"يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين"تطييب لنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد قال تعالى قبله:"فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين"فالمراد - والله أعلم - يكفيك الله بنصره وبمن اتبعك من المؤمنين ، وليس المراد أن هناك سببين كافيين أو سببا كافيا ذا جزئين يتألف منهما سبب واحد كاف فالتوحيد القرآني يأبى ذلك.
وربما قيل: إن المعنى حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين بعطف قوله:"من اتبعك"على موضع الكاف من"حسبك".
والكلام على أي حال مسوق للتحريض على القتال على ما يفيده السياق والقرائن الخارجة فإن تأثير المؤمنين في كفايتهم له (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما هو في القتال على ما يسبق إلى الذهن.
وذكر بعضهم: أن الآية نزلت بالبيداء قبل غزوة بدر ، وعلى هذا لا اتصال لها بما بعدها ، وأما اتصالها بما قبلها فغير مقطوع به.
قوله تعالى:"يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال"إلى آخر الآية.
التحريض والتحضيض والترغيب والحض والحث بمعنى والفقه أبلغ وأغزر من الفهم ، وقوله:"إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين"أي من الذين كفروا كما قيد به الألف بعدا ، وكذلك قوله:"و إن يكن منكم مائة"أي مائة صابرة كما قيد بها"عشرون"قبلا.
وقوله:"بأنهم قوم لا يفقهون"الباء للسببية أو الإله والجملة تعليلية متعلقة بقوله:"يغلبوا"أي عشرون صابرون منكم يغلبون مائتين من الذين كفروا ، ومائة صابرة منكم يغلبون ألفا من الذين كفروا كل ذلك بسبب أن الكفار قوم لا يفقهون.
وفقدان الفقه في الكفار وبالمقابلة ثبوته في المؤمنين هو الذي أوجب أن يعدل الواحد من العشرين من المؤمنين أكثر من العشرة من المائتين من الذين كفروا حتى يغلب العشرون من هؤلاء المائتين من أولئك على ما بني عليه الحكم في الآية فإن المؤمنين إنما يقدمون فيما يقدمون عن إيمان بالله وهو القوة التي لا يعادله ولا يقاومه أي قوة أخرى لابتنائه على الفقه الصحيح الذي يوصفهم بكل سجية نفسانية فاضلة كالشجاعة والشهامة والجرأة والاستقامة والوقار والطمأنينة والثقة بالله واليقين بأنه على إحدى الحسنيين إن قتل ففي الجنة وإن قتل ففي الجنة وإن الموت بالمعنى الذي يراه الكفار وهو الفناء لا مصداق له.
وأما الكفار فإنما اتكاؤهم على هوى النفس ، واعتمادهم على ظاهر ما يسوله لهم الشيطان ، والنفوس المعتمدة على أهوائها لا تتفق للغاية وإن اتفقت أحيانا فإنما تدوم عليه ما لم يلح لائح الموت الذي تراه فناء ، وما أندر ما تثبت النفس على هواها حتى حال ما تهدد بالموت وهي على استقامة من الفكر بل تميل بأدنى ريح مخالف ، وخاصة في المخاوف العامة والمهاول الشاملة كما أثبته التاريخ من انهزام المشركين يوم بدر وهم ألف بقتل سبعين منهم ، ونسبة السبعين إلى الألف قريبة من نسبة الواحد إلى أربعة عشر فكان انهزامهم في معنى انهزام الأربعة عشر مقاتلا من مقاتل واحد ، وليس ذلك إلا لفقه المؤمنين الذي يستصحب العلم والإيمان ، وجهل الكفار الذي يلازمه الكفر والهوى.
قوله تعالى:"الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن"إلخ أي إن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين من الذين كفروا وإن يكن منكم ألف صابر يغلبوا ألفين من الذين كفروا على وزان ما مر في الآية السابقة.
وقوله:"و علم أن فيكم ضعفا"المراد به الضعف في الصفات الروحية ولا محالة ينتهي إلى الإيمان فإن الإيقان بالحق هو الذي ينبعث عنه جميع السجايا الحسنة الموجبة للفتح والظفر كالشجاعة والصبر والرأي المصيب وأما الضعف من حيث العدة والقوة فمن الضروري أن المؤمنين لم يزالوا يزيدون عدة وقوة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقوله:"بإذن الله"تقييد لقوله:"يغلبوا"أي إن الله لا يشاء خلافه والحال أنكم مؤمنون صابرون ، وبذلك يظهر أن قوله:"و الله مع الصابرين"يفيد فائدة التعليل بالنسبة إلى الإذن.