فهرس الكتاب

الصفحة 1832 من 4314

قال تعالى:"إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا:"المعارج: - 21 ، وقال:"إن النفس لأمارة بالسوء:"يوسف: - 53 ، وقال:"و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم:"هود: - 119 ، إلى غير ذلك من الآيات.

وغاية ما يمكن الإنسان في بسط الألفة وإرضاء القلوب المشحونة بالعداوة والبغضاء أن يقنعهم أو يسكتهم ببذل ما يحبون من مال أو جاه أو سائر النعم الدنيوية المحبوبة عندهم غير أنه إنما ينفع في موارد جزئية خاصة ، وأما العداوة والبغضاء العامتان فلا سبيل إلى إزالتهما عن القلوب ببذل النعمة فإنه لا يبطل غريزة الاستزادة والشح الملتهب في كل نفس بما يشاهد من المزايا الحيوية عند غيره.

على أن من النعم ما لا يقبل إلا الاختصاص والانفراد كالملك والرئاسة العالية وأمور أخرى تجري مجراهما حتى أن الأمم الراقية ذوي المدنية والحضارة لم يتمكنوا من معالجة هذا الداء إلا بما يزول به بعض شدته ، ويستريح جثمان المجتمع من بعض عذابه ، وأما البغضاءات المتعلقة بالأمور التي تختص به بعض مجتمعهم كالرئاسة والملك فهي على حالها تتقد بشررها القلوب ولا يزال يأكل بعضها بعضا.

على أن ذلك ينحصر فيما بينهم وأما المجتمعات الخارجة من مجتمعهم فلا يعبأ بحالهم ولا يعتنى من منافعهم الحيوية إلا بما يوافق منافع أولئك وإن أعيتهم طوارق البلاء وعفاهم الدهر بالعناء.

وقد من الله على الأمة الإسلامية إذ أزال الشح عن نفوسهم وألف بين قلوبهم بمعرفة إلهية علمه إياهم وبثه فيما بينهم ببيان أن الحياة الإنسانية حياة خالدة غير محصورة في هذه الأيام القلائل التي ستفنى ويبقى الإنسان ولا خبر عنها ، وإن سعادة هذه الحياة الدائمة غير التمتع بلذائذ المادة والرعي في كلإ الخسة بل هي حياة واقعية وعيشة حقيقية يحيى ويعيش بها الإنسان في كرامة عبودية الله سبحانه ، ويتنعم بنعم القرب والزلفى ثم يتمتع بما تيسر له من متاع الحياة الدنيا مما ساقه إليه الحظ أو الاكتساب عارفا بحقوق النعمة ثم ينتقل إلى جوار الله ويدخل دار رضوانه ويخالط هناك الصالحين من عباده ، ويحيى حق الحياة قال تعالى:"و ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع:"الرعد: - 26 ، وقال تعالى:"و ما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون:"العنكبوت: - 64 وقال:"فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى:"النجم: - 30.

فعلى المسلم أن يؤمن بربه ويتربى بتربيته ، ويعزم عزمه ويجمع بغيته على ما عند ربه فإنما هو عبد مدبر لا يملك ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ومن كان هذا وصفه لم يكن له شغل إلا بربه الذي بيده الخير والشر والنفع والضر والغنى والفقر والموت والحياة ، وكان عليه أن يسير مسير الحياة بالعلم النافع والعمل الصالح فما سعد به من مزايا الحياة الدنيا فموهبة من عند ربه وما حرم منه احتسب عند ربه أجره ، وما عند الله خير وأبقى.

وليس هذا من إلغاء الأسباب في شيء ولا إبطالا للفطرة الإنسانية الداعية إلى العمل والاكتساب ، النادبة إلى التوسل بالفكر والإرادة ، المحرضة إلى الاجتهاد في تنظيم العوامل والعلل ، الموصلة إلى المقاصد الإنسانية والأغراض الصحيحة الحيوية فقد فصلنا القول في توضيح ذلك في موارد متفرقة من هذا الكتاب.

وإذا تسنن المسلمون بهذه السنة الإلهية ، وحولوا هوى قلوبهم عن ذلك التمتع المادي الذي ليس إلا بغية حيوانية وغرضا ماديا إلى هذا التمتع المعنوي الذي لا تزاحم فيه ولا حرمان عنده ، ارتفعت عن قلوبهم العداوة والبغضاء ، وخلصت نفوسهم من الشح والرين ، وأصبحوا بنعمة الله إخوانا ، وأفلحوا حق الفلاح قال:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا:"آل عمران: - 103 وقال:"و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون:"الحشر: - 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت