فهرس الكتاب

الصفحة 1831 من 4314

قوله تعالى:"و إن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين"الآية متصلة بما قبلها وهي بمنزلة دفع الدخل ، وذلك أن الله سبحانه لما أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجنوح للسلم إن جنحوا له ولم يرض بالخديعة لأنها من الخيانة في حقوق المعاشرة والمواصلة للعامة والله لا يحب الخائنين كان أمره بالجنوح المذكور مظنة سؤال وهو أن من الجائز أن يكون جنوحهم للسلم خديعة منهم يضلون بها المؤمنين ليغيروا عليهم في شرائط وأحوال مناسبة فأجاب سبحانه بأنا أمرناك بالتوكل فإن أرادوا بذلك أن يخدعوك فإن حسبك الله وقد قال تعالى:"و من يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره."

وهذا مما يدل على أن هناك أسبابا وراء ما ينكشف لنا من الأسباب الطبيعية العادية تجري على ما يوافق صلاح العبد المتوكل إذا خانته الأسباب الطبيعية العادية ولم تساعده على مطلوبه الحق.

وقوله:"هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين"بمنزلة الاحتجاج على قوله:"فإن حسبك الله"بذكر شواهد تدل على كفايته تعالى وهي أنه أيده بنصره وأيده بالمؤمنين وألف بين قلوبهم وهي شيء متباغضة.

قوله تعالى:"و ألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم"إلخ ، قال الراغب: الإلف اجتماع مع التيام يقال: ألفت بينهم ، ومنه الألفة ، ويقال: للمألوف إلف وآلف قال تعالى:"إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم"انتهى.

أورد سبحانه في جملة ما استشهد على كفايته لمن توكل عليه أنه كفى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بتأليف قلوب المؤمنين بعد ذكر تأييده بهم ، والكلام مطلق والملاك المذكور فيه عام يشمل جميع المؤمنين وإن كانت الآية أظهر انطباقا على الأنصار حيث أيد الله بهم نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فآووه ونصروه وألف الله سبحانه بدينه بينهم أنفسهم وقد نشبت فيهم الحروب المبيدة وكانت قائمة على ساقها دهرا طويلا وهي حرب"بغاث"بين الأوس والخزرج حتى اصطلحوا بنزول الإسلام في دارهم وأصبحوا بنعمته إخوانا.

وقد امتن الله بتأليفه بين قلوب المسلمين في مواضع من كلامه وبين أهمية موقعه بمثل قوله:"لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف. بينهم إنه عزيز حكيم".

وذلك أن الإنسان مفطور على حب النعم الحيوية التي تتم بها حياته لا بغية له دونها ولا يريد في الحقيقة شيئا ولا يقصده إلا لينتفع به في نفسه وما ربما يلوح أنه يريد نفعا عائدا إلى غيره فالتأمل الدقيق يكشف عن اشتماله على نفع عائد إليه نفسه ، وإذ كان يحب الوجدان فهو يبغض الفقدان.

وبهذين الوصفين الغريزيين أعني الحب والبغض يتم له أمر الحياة ولو أنه أحب كل شيء ومنها الأضداد والمتناقضات لبطلت الحياة ولو أنه أبغض كل شيء حتى المتنافيات لبطلت الحياة ، وقد فطره الله سبحانه على الحياة الاجتماعية لقصور ما عنده من القوى والأدوات عن القيام بجميع ما يحتاج إليه من ضروريات حياته ومن الضروري أن الاجتماع لا يتم إلا باختصاص كل فرد بما يحرم عنه آخرون من مال أو جاه أو زينة أو جمال أو كل ما يتنافس فيه الطباع الإنساني أو يتعلق به الهوى النفساني على اختلاف فيه بالزيادة والنقيصة.

وهذا أول ما يودع أنواع العداوة والبغضاء في القلوب والشح في النفوس ثم ما ينبسط بينهم من وجوه الحرمان بالظلم والعدوان وبغي البعض على البعض في دم أو عرض أو مال أو غير ذلك مما يتنعمون به ويتنافسون فيه ويعلمون لأجله ، تثير في داخل نفوسهم كل بغضاء وشنآن.

وهذا كله أوصاف وغرائز باطنية في الجماعة لا تلبث دون أن تظهر في أعمالهم وتتلاقى في أفعالهم ويماس بعضها بعضا بينهم في مسير حياتهم وفيه البلوى التي تتعقب الفتن والمصائب الاجتماعية التي تبيد النفوس وتهلك الحرث والنسل ، وقد شهدت بذلك الحوادث الجارية على توالي القرون والأجيال.

ومهما ظنت الأمم المجتمعة أن بغيتها في اجتماعها هي التمتع من العيشة المادية المحدودة بالحياة الدنيوية فلا سبيل إلى قلع مادة هذا الفساد من أصلها وقطع منابته فإن الدار دار التزاحم ، والمجتمع قائم على قاعدة الاختصاص ، والنفوس مختلفة في الاستعداد ، والحوادث الواقعة والعوامل المؤثرة والأحوال الخارجة دخيلة في معايشهم وحياتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت