فهرس الكتاب

الصفحة 1830 من 4314

و في قوله:"و آخرين من دونهم لا تعلمونهم"دلالة على أن المراد بالأولين هم الذين يعرفهم المؤمنون بالعداوة لله ولهم ، والمراد بهؤلاء الذين لا يعلمهم المؤمنون - على ما يعطيه إطلاق اللفظ - كل من لا خبرة للمؤمنين بتهديده إياهم بالعداوة من المنافقين الذين هم في كسوة المؤمنين وصورتهم يصلون ويصومون ويحجون ويجاهدون ظاهرا ، ومن غير المنافقين من الكفار الذين لم يبتل بهم المؤمنون بعد.

والإرهاب بإعداد القوة ، وإن كان في نفسه من الأغراض الصحيحة التي تتفرع عليها فوائد عظيمة ظاهرة غير أنه ليس تمام الغرض المقصود من إعداد القوة ، ولذلك أردفه بقوله:"و ما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون"ليدل على جماع الغرض.

وذلك أن الغرض الحقيقي من إعداد القوى هو التمكن من الدفع مبلغ الاستطاعة ، وحفظ المجتمع من العدو الذي يهدده في نفوسه وأعراضه وأمواله ، وباللفظ المناسب لغرض الدين إطفاء نائرة الفساد الذي يبطل كلمة الحق ويهدم بنيان دين الفطرة الذي به يعبد الله في أرضه ويقوم ملاك العدل في عباده.

وهذا أمر ينتفع به كل فرد من أفراد المجتمع الديني فما أنفقه فرد أو جماعة في سبيل الله ، وهو الجهاد لإحياء أمره فهو بعينه يرجع إلى نفسه وإن كان في صورة أخرى فإن أنفق في سبيله مالا أو جاها أو أي نعمة من هذا القبيل فهو من الإنفاق في سبيل الضروريات الذي لا يلبث دون أن يرجع إليه نفسه نفعه وما استعقبه من نماء في الدنيا والآخرة ، وإن أنفق في سبيله نفسا فهو الشهادة في سبيل الله التي تستتبع حياة باقية خالدة حقة لمثلها فليعمل العاملون لا كما يغر به آحاد الفادين في سبيل المقاصد الدنيوية ببقاء الاسم وخلود الذكر وتمام الفخر فهؤلاء وإن تنبهوا اليوم لهذا التعليم الإسلامي ، وأن المجتمع كنفس واحدة تشترك أعضاؤها فيما يعود إليها من نفع وضرر لكنهم خبطوا في مسيرهم واشتبه عليهم الأمر في تشخيص الكمال الإنساني الذي لأجله تندبه الفطرة وتدعوه إلى الاجتماع ، وهو التمتع من الحياة الدائمة ، فحسبوه الحياة الدنيا الدائرة فضاق عليهم المسلك في أمثال التفدية بالنفس لأجل تمتع الغير بلذائذ المادة.

وبالجملة فإعداد القوة إنما هو لغرض الدفاع عن حقوق المجتمع الإسلامي ومنافعه الحيوية ، والتظاهر بالقوة المعدة ينتج إرهاب العدو ، وهو أيضا من شعب الدفع ونوع معه ، فقوله تعالى:"ترهبون به عدو الله"إلخ يذكر فائدة من فوائد الإعداد الراجعة إلى أفراد المجتمع ، وقوله:"و ما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون"يذكر أن ما أنفقوه في سبيله لا يبطل ولا يفوت بل يرجع إليهم من غير أن يفوت عن ذي حق حقه.

وهذا أعني قوله:"و ما تنفقوا من شيء في سبيل الله"إلخ أعم فائدة من مثل قوله:"و ما تنفقوا من خير يوف إليكم:"البقرة: - 272 فإن الخير منصرف إلى المال فلا يشمل النفس بخلاف قوله هاهنا:"و ما تنفقوا من شيء".

قوله تعالى:"و إن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم"في المجمع ،: الجنوح الميل ، ومنه جناح الطائر لأنه يميل به في أحد شقيه ، ولا جناح عليه أي لا ميل إلى مأثم.

انتهى ، والسلم بفتح السين وكسرها الصلح.

وقوله:"و توكل على الله"من تتمة الأمر بالجنوح فالجميع في معنى أمر واحد ، والمعنى: وإن مالوا إلى الصلح والمسالمة فمل إليها وتوكل في ذلك على الله ولا تخف من أن يضطهدك أسباب خفية عنك على غفلة منك وعدم تهيؤ لها فإن الله هو السميع العليم لا يغفله سبب ولا يعجزه مكر بل ينصرك ويكفيك وهذا هو الذي يثبته قوله في الآية التالية"و إن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله".

وقد تقدم فيما أسلفناه من معنى التوكل على الله أنه ليس اعتمادا عليه سبحانه بإلغاء الأسباب الظاهرية بل سلب الاعتماد القطعي على الأسباب الظاهرية لأن الذي يبدو للإنسان منها بعض يسير منها دون جميعها ، والسبب التام الذي لا يتخلف عن مسببه هو الجميع الذي يحمل إرادته سبحانه.

فالتوكل هو توجيه الثقة والاعتماد إلى الله سبحانه الذي بمشيته يدور رحى الأسباب عامة ، ولا ينافيه أن يتوسل المتوكل بما يمكنه التوسل به من الأسباب اللائحة عليه من غير أن يلغي شيئا منها فيركب مطية الجهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت