و السبق تقدم الشيء على طالب اللحوق به ، والإعجاز إيجاد العجز ، وقوله:"إنهم لا يعجزون"تعليل لقوله:"و لا تحسبن"إلخ ، والمعنى: يا أيها النبي لا تحسبن أن الذين كفروا سبقونا فلا ندركهم ، لأنهم لا يعجزون الله وله القدرة على كل شيء.
قوله تعالى:"و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل".
إلى آخر الآية الإعداد تهيئة الشيء للظفر بشيء آخر وإيجاد ما يحتاج إليه الشيء المطلوب في تحققه كإعداد الحطب والوقود للإيقاد وإعداد الإيقاد للطبخ ، والقوة كل ما يمكن معه عمل من الأعمال ، وهي في الحرب كل ما يتمشى به الحرب والدفاع من أنواع الأسلحة ، والرجال المدربين والمعاهد الحربية التي تقوم بمصلحة ذلك كله ، والرباط مبالغة في الربط وهو أيسر من العقد يقال: ربطه يربطه ربطا ورابطه يرابطه مرابطة ورباطا فالكل بمعنى غير أن الرباط أبلغ من الربط ، والخيل هو الفرس ، والإرهاب قريب المعنى من التخويف.
وقوله:"و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل"أمر عام بتهيئة المؤمنين مبلغ استطاعتهم من القوى الحربية ما يحتاجون إليه قبال ما لهم من الأعداء في الوجود أو في الفرض والاعتبار فإن المجتمع الإنساني لا يخلو من التآلف من أفراد أو أقوام مختلفي الطباع ومتضادي الأفكار لا ينعقد بينهم مجتمع على سنة قيمة ينافعهم إلا وهناك مجتمع آخر يضاده في منافعه ، ويخالفه في سنته ، ولا يعيشان معا برهة من الدهر إلا وينشب بينهما الخلاف ويؤدي ذلك إلى التغلب والقهر.
فالحروب المبيدة والاختلافات الداعية إليها مما لا مناص عنها في المجتمعات الإنسانية والمجتمعات هي هذه المجتمعات ، ويدل على ذلك ما نشاهده من تجهز الإنسان في خلقه بقوى لا يستفاد منها إلا للدفاع كالغضب والشدة في الأبدان ، والفكر العامل في القهر والغلبة ، فمن الواجب الفطري على المجتمع الإسلامي أن يتجهز دائما بإعداد ما استطاع من قوة ومن رباط الخيل بحسب ما يفترضه من عدو لمجتمعه الصالح.
والذي اختاره الله للمجتمع الإسلامي بما أنزل عليهم من الدين الفطري الذي هو الدين القيم هي الحكومة الإنسانية التي يحفظ فيها حقوق كل فرد من أفراد مجتمعها ، ويراعى فيها مصلحة الضعيف والقوي والغني والفقير والحر والعبد والرجل والمرأة والفرد والجماعة والبعض والكل على حد سواء دون الحكومة الفردية الاستبدادية التي لا تسير إلا على ما تهواه نفس الفرد المتولي لها الحاكم في دماء الناس وأعراضهم وأموالهم بما شاء وأراد ، ولا الحكومة الأكثرية التي تطابق أهواء الجمهور من الناس وتبطل منافع آخرين وترضي الأكثرين النصف واحد وتضطهد وتسخط الأقلين النصف - واحد.
ولعل هذا هو السر في قوله تعالى:"و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة"حيث وجه الخطاب إلى الناس بعد ما كان الخطاب في الآيات السابقة موجها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كقوله:"فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم"وقوله:"فانبذ إليهم على سواء"وقوله:"و لا تحسبن الذين كفروا سبقوا"وكذا في الآيات التالية كقوله:"و إن جنحوا للسلم فاجنح لها"إلى غير ذلك.
وذلك أن الحكومة الإسلامية حكومة إنسانية بمعنى مراعاة حقوق كل فرد وتعظيم إرادة البعض واحترام جانبه أي من كان من غير اختصاص الإرادة المؤثرة بفرد واحد أو بأكثر الأفراد.
فالمنافع التي يهددها عدوهم هي منافع كل فرد فعلى كل فرد أن يقوم بالذب عنها ، ويعد ما استطاع من قوة لحفظها من الضيعة ، والإعداد وإن كان منه ما لا يقوم بأمره إلا الحكومات بما لها من الاستطاعة القوية والإمكانات البالغة لكن منها ما يقوم بالأفراد بفرديتهم كتعلم العلوم الحربية والتدرب بفنونها فالتكليف تكليف الجميع.
وقوله تعالى:"ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم"في مقام التعليل لقوله:"و أعدوا لهم"أي وأعدوا لهم ذلك لترهبوا وتخوفوا به عدو الله وعدوكم ، وفي عدهم عدوا لله ولهم جميعا بيان للواقع وتأكيد في التحريض.