فهرس الكتاب

الصفحة 1828 من 4314

على أن الآيتين لما دلتا على حصر الشر عند الله في طائفة معينة من الدواب كانت الآية الأولى مع دلالتها على كون أهلها ممن لا يؤمنون البتة دالة على أن المراد بقوله في الآية الثانية:"الذين كفروا فهم لا يؤمنون"كونهم ثابتين على كفرهم لا يزولون عنه البتة.

قوله تعالى:"الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون"بيان للذين كفروا في الآية السابقة أو بدل منهم بدل البعض من الكل ، ويتفرع عليه أن"من"في قوله"منهم"تبعيضية والمعنى: الذين عاهدتهم من بين الذين كفروا ، وأما احتمال أن يكون من زائدة والمعنى: الذين عاهدتهم ، أو بمعنى مع والمعنى: الذين عاهدت معهم فليس: بشيء.

والمراد بكل مرة مرات المعاهدة أن ينقضون عهدهم في كل مرة عاهدتهم وهم لا يتقون الله في نقض العهد أو لا يتقونكم ولا يخافون نقض عهدكم ، وفيه دلالة على تكرر النقض منهم.

قوله تعالى:"فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون"قال في المجمع ، الثقف الظفر والإدراك بسرعة ، والتشريد التفريق على اضطراب.

انتهى ، وقوله:"فإما تثقفنهم"أصله إن تثقفهم دخل"ما"التأكيد على إن الشرطية ليصحح دخول نون التأكيد على الشرط والكلام مسوق للتأكيد في ضمن الشرط.

والمراد بتشريد من خلفهم بهم أن يفعل بهم من التنكيل والتشديد ما يعتبر به من خلفهم ، ويستولي الرعب والخوف على قلوبهم فيتفرقوا وينحل عقد عزيمتهم واتحاد إرادتهم على قتال المؤمنين وإبطال كلمة الحق.

وعلى هذا فالمراد بقوله:"لعلهم يذكرون"رجاء أن يتذكروا ما لنقض العهد والإفساد في الأرض والمحادة مع كلمة الحق من التبعة السيئة والعاقبة المشئومة فإن الله لا يهدي القوم الفاسقين وإن الله لا يهدي كيد الخائنين.

ففي الآية إيماء إلى الأمر بقتالهم ثم التشديد عليهم والتنكيل بهم عند الظفر بهم وثقفهم ، وإيماء إلى أن وراءهم من حاله حالهم في نقض العهد وتربص الدوائر على الحق وأهله.

قوله تعالى:"و إما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين"الخيانة - على ما في المجمع ، - نقض العهد فيما يؤتمن عليه ، وهذا معنى الخيانة في العهود والمواثيق ، وأما الخيانة بمعناها العام فهي نقض ما أبرم من الحق في عهد أو أمانة ، والنبذ هو الإلقاء ومنه قوله:"فنبذوه وراء ظهورهم:"آل عمران: - 187 والسواء بمعنى الاستواء والعدل.

وقوله:"و إما تخافن"كقوله في الآية السابقة:"فإما تثقفنهم"ومعنى الخوف ظهور أمارات تدل على وقوع ما يجب التحرز منه والحذر عنه وقوله:"إن الله لا يحب الخائنين"تعليل لقوله:"فانبذ إليهم على سواء".

ومعنى الآية: وإن خفت من قوم بينك وبينهم عهد أن يخونوك وينقضوا عهدهم ولاحت آثار دالة على ذلك فانبذ وألق إليهم عهدهم وأعلمهم إلغاء العهد لتكونوا أنتم وهم على استواء من نقض عهد أو تكون مستويا على عدل فإن من العدل المعاملة بالمثل والسواء لأنك إن قاتلتهم قبل إلغاء العهد كان ذلك منك خيانة والله لا يحب الخائنين وملخص الآيتين دستوران إلهيان في قتال الذين لا عهد لهم بالنقض أو بخوفه فإن كان أهل العهد من الكفار لا يثبتون على عهدهم بنقضه في كل مرة فعلى ولي الأمر أن يقاتلهم ويشدد عليهم ، وإن كانوا بحيث يخاف من خيانتهم ولا وثوق بعهدهم فيعلمون إلغاء عهدهم ثم يقاتلون ولا يبدأ بقتالهم قبل الإعلام فإنما ذلك خيانة ، وأما إن كانوا عاهدوا ولم ينقضوا ولم يخف خيانتهم فمن الواجب حفظ عهدهم واحترام عقدهم وقد قال تعالى:"فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم:"التوبة: - 4.

وقال:"أوفوا بالعقود:"المائدة: - 1.

قوله تعالى:"و لا تحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون"القراءة المشهورة"تحسبن"بتاء الخطاب ، وهو خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تطييبا لنفسه وتقوية لقلبه كالخطاب الآتي بعد عدة آيات:"يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين"وكالخطاب الملقى بعده لتحريض المؤمنين:"يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت