و ثانيا: أن ظاهر قوله:"أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات"أن رميهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالافتراء على الله سبحانه قول تقولوه بالنسبة إلى جميع السور القرآنية طويلتها وقصيرتها من غير أن يخصوا به سورة دون سورة فمن الواجب أن يجابوا بما يحسم مادة الشبهة بالنسبة إلى كل سورة قرآنية ، والتحدي بما يفي بذلك ، وعجزهم عن إتيان عشر سور مفتريات طويلة تجمع الفنون القرآنية لا يثبت به كون الجميع حتى السور القصار كسورتي الكوثر والعصر من عند الله اللهم إلا ببيان آخر يضم إليه واللفظ خال من ذلك.
وثالثا: أن قوله:"بعشر سور مثله"إن كان ما فيه من الضمير راجعا إلى القرآن كما هو ظاهر كلام هذا القائل أفاد التحدي بإتيان عشر سور مفتريات مثله مطلقا سواء في ذلك الطوال والقصار فتخصيص التحدي بعشر سور طويلة جامعة تقييد للفظ الآية من غير مقيد وهو تحكم وأشد منه تحكما القول بأن المراد بالمثل مثل السور العشر التي عدها.
وإن كان الضمير راجعا إلى سورة هود كان مستبشعا من القول وكيف يستقيم أن يقال لمن يقول: إن سورة الكوثر والمعوذتين من الافتراء على الله: ائت بعشر سور مفتريات مثل سورة هود ويقتصر على ذلك؟ اللهم إلا أن يهذروا بأن سورة هود وحدها من الافتراء على الله تعالى فيتحدى عندئذ بأن يأتوا بمثلها ، ولم نسمع أحدا منهم تفوه بذلك.
ويمكن أن يقال في وجه الاختلاف الذي يلوح من آيات التحدي كقوله:"فأتوا بسورة مثله:"يونس: - 38 الظاهر في التحدي بسورة واحدة وقوله:"فأتوا بعشر سور مثله مفتريات"الظاهر في التحدي بعدد خاص فوق الواحد وقوله:"فليأتوا بحديث مثله:"الطور: - 34 الظاهر في التحدي بحديث يماثل القرآن وإن كان دون السورة أن كل واحدة من الآيات تؤم غرضا خاصا في التحدي.
بيان ذلك: أن جهات القرآن وشئونه التي تتقوم به حقيقته وهو كتاب إلهي مضافا إلى ما في لفظه من الفصاحة وفي نظمه من البلاغة إنما ترجع إلى معانيه ومقاصده لست أعني من المعنى ما يقصده علماء البلاغة في قولهم: إن البلاغة من صفات المعنى والألفاظ مطروحة في الطريق يعنون به المفاهيم من جهة ترتبها الطبعي في الذهن فإن الذي يعنون به من المعنى موجود في الكذب الصريح من الكلام وفي الهزل وفي الفحش والهجو والفرية إذا جرت على أسلوب البلاغة وتوجد في الكلام الموروث من البلغاء نظما ونثرا شيء كثير من هذه الأمور.
بل المراد من معنى القرآن ومقصده ما يصفه تعالى بأنه كتاب حكيم ، ونور مبين ، وقرآن عظيم ، وفرقان ، وهاد يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، وقول فصل وليس بالهزل ، وكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وذكر وأنه يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وأنه شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ، وأنه تبيان لكل شيء ولا يمسه إلا المطهرون.
فمن البين أن هذه كلها صفات لمعنى القرآن.
وليست صفات لما يقصده علماء البلاغة بالمعنى البليغ الذي ربما يشتمل عليه الباطل من الكلام الذي يسميه القرآن الكريم لغوا من القول وإثما وينهى الإنسان عن تعاطيه والتفوه به وإن كان بليغا بل المعنى المتصف بهذه الصفات هو شيء من المقاصد الإلهية التي تجري على الحق الذي لا يخالطه باطل ، وتقع في صراط الهداية ، ويكون الكلام المشتمل على معنى هذا نعته وغرض هذا شأنه هو الذي تتعلق العناية الإلهية بتنزيله وجعله رحمة للمؤمنين وذكرا للعالمين.
وهذا هو الذي يصح أن يتحدى به بمثل قوله:"فليأتوا بحديث مثله"فإنا لا نسمي الكلام حديثا إلا إذا اشتمل على غرض هام يتحدث به فينقل من ضمير إلى ضمير ، وكذا قوله:"فأتوا بسورة مثله"فإن الله لا يسمي جماعة من آيات كتابه وإن كانت ذات عدد سورة إلا إذا اشتملت على غرض إلهي تتميز بها من غيرها.