فهرس الكتاب

الصفحة 2085 من 4314

فإن فيه أولا: أن لو كانت جهة الإعجاز في القرآن هي بلاغته فحسب وهي أمر لا يعرفه غير العرب لم يكن لتشريك غيرهم في التحدي معنى ، ولم يرجع قوله:"و ادعوا من استطعتم من دون الله"على ما فيه من العموم وكذا قوله:"لئن اجتمعت الإنس والجن"الآية إلى معنى محصل ولكان من الواجب أن يقال: لئن اجتمعت العرب"وادعوا من استطعتم من آلهتكم ومن أهل لغتكم."

وثانيا: أنه لو كانت جهة الإعجاز هي البلاغة فقط لم يصح الاحتجاج بمثل قوله:"و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا:"النساء: - 82 ، الظاهر في نفي مطلق الاختلاف فإن أكثر الاختلافات وهي التي يرجع إلى المعاني لا تضر بلاغة اللفظ.

وثالثا: أنه تعالى يتحدى بمثل قوله:"فليأتوا بحديث مثله:"الطور: - 34 ، وبقوله في سورة يونس:"فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله:"آية - 38 ، وقد استفدنا فيما تقدم أن سورة يونس قبل سورة هود في ترتيب النزول ويؤيده الأثر ، ثم بقوله في هذه السورة:"فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله"ولو كان جهة الإعجاز هي البلاغة خاصة لكانت هذه التحديات خارجة عن النظم الطبيعي إذ لا يصح أن يكلف البلغاء من العرب المنكرين لكون القرآن من عند الله بإتيان مثل سورة منه ثم بعده بإتيان عشر سور مفتريات بل مقتضى الطبع أن يتحدى بتكليفهم بإتيان مثل القرآن أجمع فإن عجزوا فبإتيان عشر سور مثله مفتريات فإن عجزوا فبإتيان سورة مثله.

وقد ذكر بعضهم في التفصي عن هذا الإشكال أن الترتيب بين السور ونزول بعضها قبل بعض لا يستلزم الترتيب بين آيات السور فكم من آية مكية موضوعة في سورة مدنية وبالعكس فمن الجائز حينئذ أن تكون آيات التحدي بتمام القرآن نازلة قبل غيرها مطلقا ثم تكون آية التحدي بعشر سور مفتريات نازلة بعدها ، وآية التحدي بسورة واحدة نازلة بعد الجميع.

وفيه: أنه إنما ينفع لو صح نزول الآيات على ما صوره وإلا فالإشكال على حاله والحق أن القرآن معجز في جميع صفاته المختصة به من بلاغة وفصاحة وما فيه من المعارف الحقيقية والأخلاق الكريمة والشرائع الإلهية والقصص والعبر والإخبار بالمغيبات وما له من السلطان على القلوب والجمال الحاكم في النفوس.

وأما الوجه في التحدي بعشر سور مع ما في سورة يونس من التحدي بواحدة فقد قال في المجمع ،: فإن قيل: لم ذكر التحدي مرة بعشر سور ومرة بسورة ومرة بحديث مثله؟ فالجواب: أن التحدي إنما يقع بما يظهر فيه الإعجاز من منظوم الكلام فيجوز أن يتحدى مرة بالأقل ومرة بالأكثر.

انتهى.

أقول: وهو يصلح وجها لأصل التحدي بالواحد والكثير وأما التحدي بالعشر بعد الواحدة ولا سيما على ما يراه من كون إعجازه بالبلاغة فحسب فلا.

وذكر بعضهم في توجيه ذلك أن القرآن الكريم معجز في جميع ما يتضمنه من المعارف والأخلاق والأحكام والقصص وغيرها وينعت به من الفصاحة والبلاغة وانتفاء الاختلاف ، وإنما يظهر صحة المعارضة والإتيان بالمثل عند إتيان عدة من السور يظهر به ارتفاع الاختلاف وخاصة من بين القصص المودعة فيها مع سائر الجهات كالفصاحة والبلاغة والمعارف وغيرها.

وإنما يتم ذلك بإتيان أمثال السور الطويلة التي تشتمل على جميع الشئون المذكورة وتتضمن المعرفة والقصة والحجة وغير ذلك كسورتي الأعراف والأنعام.

والتي نزلت من السور الطويلة القرآنية مما يشتمل على جميع الفنون المذكورة قبل سورة هود على ما ورد في الرواية هي سورة الأعراف وسورة يونس وسورة مريم وسورة طه وسورة الشعراء وسورة النمل وسورة القصص وسورة القمر وسورة ص فهذه تسع من السور عاشرتها سورة هود ، وهذا الوجه هو في التحدي بأمرهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، انتهى بتلخيص منا وقد أطنب في كلامه.

أقول: فيه أولا: أن لا تعويل على الأثر الذي عول عليه في ترتيب نزول السور فإنما هو من الآحاد التي لا تخلو عن ضعف ولا ينبغي بناء البحث التفسيري على أمثالها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت