و قد أجاب الله سبحانه عنها جميعا بمثل ما أجاب به هاهنا وهو أن رسوله ليس له إلا الرسالة فليس بيده وهو بشر رسول أن يجيبهم إلى ما اقترحوا به عليه إلا أن يشاء الله في ذلك شيئا ويأذن في إتيان آية كما قال:"و ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله:"المؤمن: - 78.
ثم عقب قوله:"إنما أنت نذير"بقوله:"و الله على كل شيء وكيل"لتتميم الجواب عن اقتراحهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمعجزات ومحصله: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر مثلهم ولم يؤمر إلا بالإنذار وهو الرسالة بإعلام الخطر ، والقيام بالأمور كلها وتدبيرها سواء كانت جارية على العادة أو خارقة لها إنما هو إلى الله سبحانه فلا وجه لتعلقهم بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما ليس إليه.
وذلك أن الله سبحانه هو الموجد للأشياء كلها وفاطرها وهو القائم على كل شيء فيما يجري عليه من النظام فما من شيء إلا وهو تعالى المبدأ في أمره وشأنه والمنتهى سواء الأمور الجارية على العادة والخارقة لها فهو تعالى الذي يسلم إليه أمره ويدبر شأنه فهو تعالى الوكيل عليه فإن الوكيل هو الذي يسلم إليه الأمر وينفذ فيه منه الحكم فهو تعالى على كل شيء وكيل.
وبذلك يظهر أن قوله:"و الله على كل شيء وكيل"بمعونة من قوله:"إنما أنت نذير"يفيد قصر القلب فإنهم سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرا ليس إليه وإنما هو إلى الله تعالى.
قوله تعالى:"أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور"قد تقدم من الكلام ما يصح به أخذ"أم"متصلة لكون قوله:"فلعلك تارك"إلخ ، في معنى الاستفهام ، والتقدير: أ فأنت تارك بعض ما يوحى إليك خوفا من اقتراحهم المعجزة أم يقولون إنك افتريته علينا فإن من المستبعد أن يقرأ عليهم كلامي ثم لا يؤمنوا به وقيل: إن أم مقطعة والمعنى: بل يقولون افتراه.
وقوله:"قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات"في الكلام تحد ظاهر والضمير راجع إلى القرآن أو إلى السورة بما أنها قرآن والفاء في"فأتوا"تفيد تفريع الأمر على قوله:"افتراه"وفي الكلام حذف وإيصال رعاية للإيجاز ، والتقدير: قل لهم: إن كان هذا القرآن مما افتريته على الله كان من عندي وكان من الجائز أن يأتي بمثله غيري فإن كنتم صادقين في دعواكم ومجدين غير هازلين فأتوا بعشر سور مثله مفتريات واستعينوا في ذلك بدعوة كل من تستطيعون من دون الله من أوثانكم الذين تزعمون أنهم آلهة تتسرعون إليهم في الحاجات وغيرهم من سائر الخلق حتى يتم لكم جميع الأسباب والوسائل ولا يبقى أحد ممن يطمع في تأثير إعانته ويرجى نفعه في ذلك فلو كان من عندي لا من عند الله جاز أن تأتوا حينئذ بمثله.
وقد بان بهذا البيان أن التحدي بالقرآن في الآية الكريمة ليس من حيث نظمه وبلاغته فحسب فإنه تعالى يأمرهم بالاستمداد من كل من استطاعوا دعوته من دون الله سواء في ذلك آلهتهم وغير آلهتهم وفيهم من لا يعرف الكلام العربي أو جزالة نظمه وصفة بلاغته فالتحدي عام لكل ما يتضمنه القرآن الكريم من معارف حقيقية والحجج والبراهين الساطعة والمواعظ الحسنة والأخلاق الكريمة والشرائع الإلهية والأخبار الغيبية والفصاحة والبلاغة نظير ما في قوله تعالى:"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا:"إسراء: - 88 ، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في الكلام على إعجاز القرآن في الجزء الأول من الكتاب.
وبذلك يظهر فساد ما قيل إن جهة إعجاز القرآن إنما هي البلاغة والفصاحة في هذا النظم المخصوص لأنه لو كان جهة الإعجاز غير ذلك لما قنع في المعارضة بالافتراء والاختلاق لأن البلاغة ثلاث طبقات فأعلى طبقاتها معجز وأدناها وأوسطها ممكن فالتحدي في الآية إنما وقع في الطبقة العليا منها ، ولو كان وجه الإعجاز الصرفة لكان الركيك من الكلام أبلغ في باب الإعجاز.
والمثل المذكور في الآية لا يجوز أن يكون المراد به مثله في الجنس لأن مثله في الجنس يكون حكايته فلا يقع بها التحدي ، وإنما يرجع في ذلك إلى ما هو متعارف بين العرب في تحدي بعضهم بعضا كما اشتهر من مناقضات امرىء القيس وعلقمة وعمر بن كلثوم والحارث بن حلزة وجرير والفرزدق وغيرهم.
انتهى.