فهرس الكتاب

الصفحة 2083 من 4314

و مما تقدم يظهر أن إيراد الكلام مورد الترجي والاحتمال لرعاية ما يقتضيه المقام من طبع الاستبعاد فالمقام مقام الاستبعاد ومقتضاه ذكر كل سبب محتمل التأثير في الحادثة المستبعدة ، اعتبر ذلك في ملك ينتهي إليه تمرد بعض ضعفاء رعيته فيبعث بعض عماله إلى دعوتهم إلى السمع والطاعة ويكتب في ذلك كتابا يأمره أن يقرأه عليهم ويلومهم على تمردهم واستكبارهم على ما بهم من الضعف والذلة ولمولاهم من القوة والسطوة والعزة ثم يبلغ الملك أنهم ردوا على رسوله ما بلغهم من قبله ، ويكتب إليه كتابا ثانيا يأمره بقراءته عليهم وإذا فيه: لعلك لم تقرأ كتابي عليهم مخافة أن يقترحوا عليك بما لا تقدر عليه أو أنهم زعموا أن الكتاب ليس من قبلي وإنما افتريته علي افتراء فإن كان الأول فإنك رسول ليس عليك إلا البلاغ وإن كان الثاني فإن الكتاب بخطي كتبته بيدي وختمت عليه بخاتمي ولا يقدر أحد غيري أن يقلدني في ذلك.

والتأمل في هذا المثال يعطي أن المقام فيما يتضمنه الكتاب الثاني من الخطاب مقام الاستبعاد وأن القصد من ذكر الاحتمالين ترك الإبلاغ وزعم الافتراء ليس هو توبيخ الرسول جدا أو احتمال زعمهم الكذب والفرية جدا ، وإنما ذكر الوجهان لداعي أن يكونا كالمقدمة لذكر ما يزول به الشبهتان وهو أن الرسول ليس له من الأمر شيء حتى يقترح ، عليه بما يقترح وأن الكتاب للملك ليس فيه ريب ولا شك.

ومن هنا يظهر أن قوله تعالى:"فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك"إلخ ، ليس يفيد الترجي الجدي ولا مسوقا لتوبيخ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا مرادا به تسليته وتطييب نفسه إثر ما كان يناله من الحزن والأسى بكفرهم وجحودهم لما أتى به من الحق الصريح بل الكلام مسوق ليتوصل به إلى ذكر قوله:"إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل".

فما ذكره بعض المفسرين أن الكلام مسرود لنهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الحزن وضيق الصدر بما كانوا يواجهونه به من الكفر والجحود ، والنهي نهي تسلية وتطييب للنفس نظير ما في قوله:"و لا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون:"النحل: - 127 ، وقوله:"لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين:"الشعراء: - 4 كلام ليس في محله.

ويظهر أيضا أن قوله:"فلعلك تارك"إلخ ، وقوله:"أم يقولون افتراه"إلخ ، كشقي الترديد ويتصلان معا بما قبلهما من وجه واحد كما ذكرناه.

وقوله:"تارك بعض ما يوحى إليك"إنما ذكر البعض لأن الآيات السابقة متضمنة لتبليغ الوحي في الجملة أي لعلك تركت بعض ما أوحينا إليك من القرآن فما تلوته عليهم فلم ينكشف لهم الحق كل الانكشاف حتى لا يجبهوك بما جبهوك به من الرد والجحود ، وذلك أن القرآن بعضه يوضح بعضا وشطر منه يقرب شطرا منه من القبول كآيات الاحتجاج توضح الآيات المشتملة على الدعاوي ، وآيات الثواب والعقاب تقرب الحق من القبول بالتطميع والتخويف ، وآيات القصص والعبر تستميل النفوس وتلين القلوب.

وقوله:"و ضائق به صدرك أن يقولوا"إلخ ، قال في المجمع ، ضائق وضيق بمعنى واحد إلا أن ضائق هاهنا أحسن لوجهين: أحدهما: أنه عارض والآخر أنه أشكل بقوله تارك انتهى.

والظاهر أن ضمير"به"راجع إلى قوله:"بعض ما يوحى"وإن ذكر بعضهم أن الضمير راجع إلى قولهم:"لو لا أنزل عليه كنز"إلخ ، أو إلى اقتراحهم وهذا أوفق بكون قوله"أن يقولوا"إلخ ، بدلا من الضمير في"به"وما ذكرناه أوفق بكونه مفعولا له لقوله:"تارك"والتقدير: لعلك تارك ذلك مخافة أن يقولوا: لو لا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك.

وقوله:"إنما أنت نذير"جواب عن اقتراحهم بقولهم: لو لا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك ، وقد تكرر في مواضع من كلامه تعالى ذكر ما اقترحوه اقتصر في بعضها على ذكر مجيء الملك وزيد في بعضها عليه غيره كاقتراح الإتيان بالله سبحانه ليشهد على الرسالة وأن يكون له جنة يأكل منها وأن ينزل من السماء كتابا يقرءونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت