فهرس الكتاب

الصفحة 2082 من 4314

قوله تعالى:"إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير"ذكر سبحانه ما الإنسان مطبوع عليه عند الشدة والبلاء من اليأس والكفر وعند الرخاء والنعماء من الفرح والفخر ، ومغزى الكلام أنه مخلوق كليل البصر قصير النظر إنما يرى ما يجده في حاله الحاضرة ، ويذهل عما دون ذلك فإن زالت عنه نعمة لم ير لها عودة وأنها كانت من عند الله سبحانه ، وله تعالى أن يعيدها إليه إن شاء حتى يصبر على بلائه ويتعلق قلبه به بالرجاء والمسألة ، وإن عادت إليه نعمة بعد زوالها رأى أنه يملكها ففرح وفخر ولم ير لله تعالى صنعا في ذلك حتى يشكره عليها ويكف عن الفرح وعن التطاول على غيره بالفخر.

استثنى سبحانه طائفة من الإنسان ووصفهم بقوله:"الذين صبروا وعملوا الصالحات"ثم وعدهم وعدا حسنا بقوله:"أولئك لهم مغفرة وأجر كبير"وذلك أن التخلص من هذا الطبع المذموم إنما يتمشى من الصابرين الذين يصبرون عند الضراء فلا يحملهم الجزع على اليأس والكفر ، ويعملون الصالحات من الشكر بثنائه تعالى على ما كشف الضراء وأعقب بالنعماء وصرف نعمه في ما يرضيه ويريح خلقه فلا يحملهم الاستغناء على الفرح والفخر.

وهؤلاء هم المتخلصون الناجون يغفر لهم ربهم بإمحاء آثار ذلك الطبع المذموم ووضع الخصال المحمودة موضعه ولهم عند ربهم مغفرة وأجر كبير.

وفي الآية دلالة على أن الصبر مع العمل الصالح لا ينفك عن الإيمان فإنها تعد هؤلاء الصابرين مغفرة وأجرا كبيرا ، والمغفرة لا تنال المشركين ، قال تعالى:"إن الله لا يغفر أن يشرك به:"النساء: - 116.

وقد ورد الوعد بعين ما ذكر في هذه الآية أعني المغفرة والأجر الكبير للمؤمنين في قوله تعالى:"و الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير:"فاطر: - 7 ، وقوله تعالى:"إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير:"الملك: - 12.

واتصال الآيات الثلاث بما قبلها ظاهر فإن الكلام كان في الآيات السابقة مسوقا في كفر الكافرين ورميهم الوعد بالبعث بالسحر ومقابلتهم الإيعاد بنزول العذاب بالاستهزاء ، فذكر سبحانه أنهم على حالهم الطبعي لا يرون لما عندهم من نعمة الله زوالا بنزول العذاب ولا لما بهم من رث الحال تبدلا إلى العيش الهنيء والمتاع الحسن الذي وعدهم الله به في صدر السورة.

قوله تعالى:"فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك"إلى آخر الآية ، لما كانت رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أيدت به من القرآن الكريم والآيات البينات والحجج والبراهين مما لا يسع لذي عقل إنكارها ولا لإنسان صحيح المشاعر ردها والكفر بها كان ما حكى من كفر الكافرين وإنكار المشركين أمرا مستبعدا بحسب الطبع ، وإذا كان وقوع أمر على صفة من الصفات مستبعدا أخذ الإنسان في تقرير ذلك الأمر من غير مجرى الاستبعاد طلبا للمخرج من نسبة الوقوع إلى ما يستبعده الطبع.

ولما كان المقام في الآية الكريمة هذا المقام وكان ما حكاه الله سبحانه من كفر المنكرين وإنكار المشركين لما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم من الحق الصريح وما أنزل إليه من كلام الله تعالى مع ما يتلوه من البينات والحجج مما لا ينبغي أن يذعن به لبعده طبعا بين تعالى لذلك وجها بعد وجه على سبيل الترجي فقال:"و لعلك تارك بعض ما يوحى إليك"إلخ ،"أم يقولون افتراه"إلخ.

فكأنه قيل: من المستبعد أن تهديهم إلى الحق الواضح ويسمعوا منك كلامي ثم لا يستجيبوا دعوتك ويكفروا بالحق بعد وضوحه فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وغير داعيهم إليه ولذلك جبهوك بالإنكار أم يقولون إن القرآن ليس من كلام الله بل هو افتراء افتريته على الله ولذلك لم يؤمنوا به.

فإن كنت تركت بعض الوحي خوفا من اقتراحهم عليك الآيات فإنما أنت نذير وليس لك إلا ما شاء الله ، وأن يقولوا افتراه فقل لهم يأتوا بعشر سور مثله مفتريات"إلخ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت