و قوله:"أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين""أم"فيه وفيما بعده منقطعة في معنى الإضراب ، والمعنى: بل أ جاءهم شيء لم يأت آباءهم الأولين فيكون بدعا ينكر ويحترز منه.
وكون الشيء بدعا محدثا لا يعرفه السابقون وإن لم يستلزم كونه باطلا غير حق على نحو الكلية لكن الرسالة الإلهية لما كانت لغرض الهداية لو صحت وجبت في حق الجميع فلو لم يأت الأولين كان ذلك حجة قاطعة على بطلانها.
قوله تعالى:"أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون"المراد بمعرفة الرسول معرفته بنسبه وحسبه وبالجملة بسجاياه الروحية وملكاته النفسية من اكتسابية وموروثة حتى يتبين به أنه صادق فيما يقول مؤمن بما يدعو إليه مؤيد من عند الله وقد عرفوا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سوابق حاله قبل البعثة ، وقد كان يتيما فاقدا للأبوين لم يقرأ ولم يكتب ولم يأخذ أدبا من مؤدب ولا تربية من مرب ثم لم يجدوا عنده ما يستقبحه عقل أو يستنكره طبع أو يستهجنه رأي ولا طمعا في ملك أو حرصا على مال أو ولعا بجاه ، وهو على ما هو سنين من عمره فإذا هو ينادي للفلاح والسعادة ويندب إلى حقائق ومعارف تبهر العقول ويدعو إلى شريعة تحير الألباب ويتلو كتابا.
فهم قد عرفوا رسولهم (صلى الله عليه وآله وسلم) بنعوته الخاصة المعجزة لغيره ، ولو لم يكونوا يعرفونه لكان لهم عذرا في إعراضهم عن دينه واستنكافهم عن الإيمان به لأن معنى عدم معرفته كذلك وجدانه على غير بعض هذه النعوت أو عدم إحرازه فيه ، ومن المعلوم أن إلقاء الزمام إلى من هذا شأنه مما لا يجوزه العقل.
قوله تعالى:"أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون"وهذا عذر آخر لهم تشبثوا به إذ قالوا:"يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون": الحجر: 6 ذكره ورده بلازم قوله:"بل جاءهم بالحق".
فمدلول قوله:"بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون"إضراب عن جملة محذوفة والتقدير إنهم كاذبون في قولهم.
"به جنة"واعتذارهم عن عدم إيمانهم به بذلك بل إنما كرهوا الإيمان به لأنه جاء بالحق وأكثرهم للحق كارهون.
ولازمه رد قولهم بحجة يلوح إليها هذا الإضراب ، وهي أن قولهم:"به جنة"لو كان حقا كان كلامه مختل النظم غير مستقيم المعنى مدخولا فيه كما هو مدخول في عقله ، غير رام إلى مرمى صحيح ، لكن كلامه ليس كذلك فلا يدعو إلا إلى حق ، ولا يأتي إلا بحق ، وأين ذلك من كلام مجنون لا يدري ما يريد ولا يشعر بما يقول.
وإنما نسب الكراهة إلى أكثرهم لأن فيهم مستضعفين لا يعبأ بهم أرادوا أو كرهوا.
قوله تعالى:"و لو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون"لما ذكر أن أكثرهم للحق كارهون وإنما يكرهون الحق لمخالفته هواهم فهم يريدون من الحق أي الدعوة الحقة أن يتبع أهواءهم وهذا مما لا يكون البتة.
إذ لو اتبع الحق أهواءهم فتركوا وما يهوونه من الاعتقاد والعمل فعبدوا الأصنام واتخذوا الأرباب ونفوا الرسالة والمعاد واقترفوا ما أرادوه من الفحشاء والمنكر والفساد جاز أن يتبعهم الحق في غير ذلك من الخليقة والنظام الذي يجري فيها بالحق إذ ليس بين الحق والحق فرق فأعطي كل منهم ما يشتهيه من جريان النظام وفيه فساد السماوات والأرض ومن فيهن واختلال النظام وانتقاض القوانين الكلية الجارية في الكون فمن البين أن الهوى لا يقف على حد ولا يستقر على قرار.
وبتقرير آخر أدق وأوفق لما يعطيه القرآن من حقيقة الدين القيم أن الإنسان حقيقة كونية مرتبطة في وجودها بالكون العام وله في نوعيته غاية هي سعادته وقد خط له طريق إلى سعادته وكماله ينالها بطي الطريق المنصوب إليها نظير غيره من الأنواع الموجودة ، وقد جهزه الكون العام وخلقته الخاصة به من القوى والآلات بما يناسب سعادته والطريق المنصوب إليها وهي الاعتقاد والعمل اللذان ينتهيان به إلى سعادته.
فالطريق التي تنتهي بالإنسان إلى سعادته أعني الاعتقادات والأعمال الخاصة المتوسطة بينه وبين سعادته وهي التي تسمى الدين وسنة الحياة متعينة حسب اقتضاء النظام العام الكوني والنظام الخاص الإنساني الذي نسميه الفطرة وتابعة لذلك.