قال الرازي في التفسير الكبير ، فإن قيل: هؤلاء الذين يعرض عليهم ذلك الكتاب إما أن يكونوا محيلين الكذب على الله تعالى أو مجوزين ذلك عليه فإن أحالوه عليه فإنهم يصدقونه في كل ما يقول سواء وجد الكتاب أو لم يوجد ، وإن جوزوه عليه لم يثقوا بذلك الكتاب لتجويزهم أنه سبحانه كتب فيه خلاف ما حصل فعلى التقديرين لا فائدة في ذلك الكتاب.
قلنا: يفعل الله ما يشاء ، وعلى أنه لا يبعد أن يكون ذلك مصلحة للمكلفين من الملائكة.
انتهى.
أقول: والذي أجاب به مبني على مسلكه من نفي الغرض عن فعله تعالى وتجويز الإرادة الجزافية تعالى عن ذلك ، والإشكال مطرد في سائر شئون يوم القيامة التي أخبر الله سبحانه بها كالحشر والجمع وإشهاد الشهود ونشر الكتب والدواوين والصراط والميزان والحساب.
والجواب عن ذلك كله: أنه تعالى مثل لنا ما يجري على الإنسان يوم القيامة في صورة القضاء والحكم الفصل ، ولا غنى للقضاء بما أنه قضاء عن الاستناد إلى الحجج والبينات كالكتب والشهود والأمارات والجمع بين المتخاصمين ولا يتم دون ذلك البتة.
نعم لو أغمضنا النظر عن ذلك كان ظهور أعمال الإنسان له في مراحل رجوعه إلى الله سبحانه بإذنه ، فافهمه.
قوله تعالى:"بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون"المناسب لسياق الآيات أن يكون"هذا"إشارة إلى ما وصفته الآيات السابقة من حال المؤمنين ومسارعتهم في الخيرات ، ويمكن أن يكون إشارة إلى القرآن كما يؤيده قوله بعد:"قد كانت آياتي تتلى عليكم والغمرة الغفلة الشديدة أو الجهل الشديد الذي غمرهم ، وقوله:"و لهم أعمال من دون ذلك"إلخ ، أي من غير ما وصفناه من حال المؤمنين وهو كناية عن أن لهم شاغلا يشغلهم عن هذه الخيرات والأعمال الصالحة وهو الأعمال الرديئة الخبيثة التي هم لها عاملون."
والمعنى: بل الكفار في غفلة شديدة أو جهل شديد عن هذا الذي وصفنا به المؤمنين ولهم أعمال رديئة خبيثة من دون ذلك هم لها عاملون في شاغلتهم ومانعتهم.
قوله تعالى:"حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون الجؤار بضم الجيم - صوت الوحش كالظباء ونحوها عند الفزع كني به عن رفعهم الصوت بالاستغاثة والتضرع ، وقيل: المراد به ضجتهم وجزعهم والآيات التالية تؤيد المعنى الأول."
وإنما جعل مترفيهم متعلق العذاب لأن الكلام فيمن ذكره قبلا بقوله:"أ يحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين"وهم الرؤساء المتنعمون منهم وغيرهم تابعون لهم.
قوله تعالى:"لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون"العدول عن سياق الغيبة إلى الخطاب لتشديد التوبيخ والتقريع ولقطع طمعهم في النجاة بسبب الاستغاثة وأي رجاء وأمل لهم فيها فإن أخبار الوسائط أنهم لا ينصرون لدعاء أو شفاعة لا يقطع طمعهم في النصر كما يقطعه أخبار من إليه النصر نفسه.
قوله تعالى:"قد كانت آياتي تتلى عليكم"- إلى قوله - تهجرون"النكوص: الرجوع القهقرى ، والسامر من السمر وهو التحديث بالليل ، قيل: السامر كالحاضر يطلق على المفرد والجمع ، وقرىء"سمرا"- بضم السين وتشديد الميم جمع سامر وهو أرجح ، وقرىء أيضا"سمارا"- بالضم والتشديد - ، والهجر: الهذيان."
والفصل في قوله:"قد كانت آياتي"إلخ ، لكونه في مقام التعليل ، والمعنى: إنكم منا لا تنصرون لأنه قد كانت آياتي تتلى وتقرأ عليكم فكنتم تعرضون عنها وترجعون إلى أعقابكم القهقرى مستكبرين بنكوصكم تحدثون في أمره في الليل تهجرون وتهذون ، وقيل: ضمير"به"عائد إلى البيت أو الحرم وهو كما ترى.
قوله تعالى:"أ فلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين"شروع في قطع أعذارهم في الإعراض عن القرآن النازل لهدايتهم وعدم استجابتهم للدعوة الحقة التي قام بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فقوله:"أ فلم يدبروا القول"الاستفهام فيه للإنكار واللام في"القول"للعهد والمراد به القرآن المتلو عليهم ، والكلام متفرع على ما تقدمه من كونهم في غفلة منه وشغل يشغلهم عنه ، والمعنى: هل إذا كانوا على تلك الحال لم يدبروا هذا القول المتلو عليهم حتى يعلموا أنه حق من عند الله فيؤمنوا به.