فهرس الكتاب

الصفحة 3051 من 4314

أقول: إن الذي نفي عن الكفار في الآية المتقدمة هو مسارعة الله للكفار في الخيرات والذي أثبت للمؤمنين في هذه الآية هو مسارعة المؤمنين في الخيرات ، والذي وجهه في هذا الوجه أن مسارعتهم في الخيرات مسارعة من الله سبحانه بوجه فيبقى عليه أن يبين الوجه في وضع مسارعتهم في الآية موضع مسارعته تعالى وتبديلها منها ، ووجهه بعضهم بأن تغيير الأسلوب للإيماء إلى كمال استحقاقهم لنيل الخيرات بمحاسن أعمالهم ، وهو كما ترى.

والظاهر أن هذا التبديل إنما هو في قوله في الآية المتقدمة:"نسارع لهم في الخيرات"والمراد بيان أنهم يحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين خيرات يتسارعون إليها لكرامتهم وهم كافرون لكن لما كان ذلك بإعطاء من الله تعالى لا بقدرتهم عليها من أنفسهم نسبت المسارعة إليه تعالى ثم نفيت بالاستفهام الإنكاري ، وأثبت ما يقابله على الأصل للمؤمنين.

فمحصل هذا النفي والإثبات أن المال والبنين ليست خيرات يتسارعون إليها ولا هم مسارعون إلى الخيرات بل الأعمال الصالحة وآثارها الحسنة هي الخيرات والمؤمنون هم المسارعون إلى الخيرات.

قوله تعالى:"و لا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون"الذي يعطيه السياق أن في الآية ترغيبا وتحضيضا على ما ذكره من صفات المؤمنين ودفعا لما ربما ينصرف الناس بتوهمه عن التلبس بكرامتها من وجهين أحدهما أن التلبس بها أمر سهل في وسع النفوس وليس بذاك الصعب الشاق الذي يستوعره المترفون ، والثاني أن الله لا يضيع عملهم الصالح ولا ينسى أجرهم الجزيل.

فقوله:"و لا نكلف نفسا إلا وسعها"نفي للتكليف الحرجي الخارج عن وسع النفوس أما في الاعتقاد فإنه تعالى نصب حججا ظاهرة وآيات باهرة تدل على ما يريد الإيمان به من حقائق المعارف وجهز الإنسان بما من شأنه أن يدركها ويصدق بها وهو العقل ثم راعى حال العقول في اختلافها من جهة قوة الإدراك وضعفه فأراد من كل ما يناسب مقدار تحمله وطوقه فلم يرد من العامة ما يريده من الخاصة ولم يسأل الأبرار عما سأل عنه المقربين ولا ساق المستضعفين بما ساق به المخلصين.

وأما في العمل فإنما ندب الإنسان منه إلى ما فيه خيره في حياته الفردية والاجتماعية الدنيوية وسعادته في حياته الأخروية ، ومن المعلوم أن خير كل نوع من الأنواع ومنها الإنسان إنما يكون فيما يتم به حياته وينتفع به في عيشته وهو مجهز بما يقوى على إتيانه وعمله ، وما هذا شأنه لا يكون حرجيا خارجا عن الوسع والطاقة.

فلا تكليف حرجيا في دين الله بمعنى الحكم الحرجي في تشريعه مبنيا على مصلحة حرجية ، وبذلك امتن الله سبحانه على عباده ، وطيب نفوسهم ورغبهم إلى ما وصفه من حال المؤمنين.

والآية"و لا نكلف نفسا إلا وسعها"تدل على ذلك وزيادة فإنها تدل على نفي التكليف المبني على الحرج في أصل تشريعه كتشريع الرهبانية والتقرب بذبح الأولاد مثلا ، ونفي التكليف الذي هو في نفسه غير حرجي لكن اتفق أن صار بعض مصاديقه حرجيا لخصوصية في المورد كالقيام في الصلاة للمريض الذي لا يستطيعه فالجميع منفي بالآية وإن كان الامتنان والترغيب المذكوران يتمان بنفي القسم الأول.

والدليل عليه في الآية تعلق نفي التكليف بقوله:"نفسا"وهو نكرة في سياق النفي يفيد العموم ، وعليه فأي نفس مفروضة في أي حادثة لا تكلف إلا وسعها ولا يتعلق بها حكم حرجي سواء كان حرجيا من أصله أو صار حرجيا في خصوص المورد.

وقد ظهر أن في الآية إمضاء لدرجات الاعتقاد بحسب مراتب العقول ورفعا للحرج سواء كان في أصل الحكم أو طارئا عليه.

وقوله:"و عندنا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون"ترغيب لهم بتطييب نفوسهم بأن عملهم لا يضيع وأجرهم لا يتخلف والمراد بنطق الكتاب إعرابه عما أثبت فيه إعرابا لا لبس فيه وذلك لأن أعمالهم مثبتة في كتاب لا ينطق إلا بما هو حق فهو مصون عن الزيادة والنقيصة والتحريف ، والحساب مبني على ما أثبت فيه كما يشير إليه قوله:"ينطق"والجزاء مبني على ما يستنتج من الحساب كما يشير إليه قوله:"و هم لا يظلمون"فهم في أمن من الظلم بنسيان أجرهم أو بترك إعطائه أو بنقصه أو تغييره كما أنهم في أمن من أن لا يحفظ أعمالهم أو تنسى بعد الحفظ أو تتغير بوجه من وجوه التغير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت