قوله تعالى"إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون"إلى آخر الآيات الخمس ، يبين تعالى في هذه الآيات الخمس بمعونة ما تقدم أن الذي يظن هؤلاء الكفار أن المال والبنين خيرات نسارع لهم فيها خطأ منهم فليست هي من الخيرات في شيء بل استدراج وإملاء وإنما الخيرات التي يسارع فيها هي ما عند المؤمنين بالله ورسله واليوم الآخر الصالحين في أعمالهم.
فأفصح تعالى عن وصفهم فقال:"إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون"، قال الراغب: الإشفاق عناية مختلطة بخوف لأن المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه ، قال تعالى:"و هم من الساعة مشفقون"فإذا عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر ، وإذا عدي بفي فمعنى العناية فيه أظهر ، قال:"إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين""مشفقون منها"انتهى.
والآية تصفهم بأنهم اتخذوا الله سبحانه ربا يملكهم ويدبر أمرهم ، ولازم ذلك أن يكون النجاة والهلاك دائرين مدار رضاه وسخطه يخشونه في أمر يحبونه وهو نجاتهم وسعادتهم فهم مشفقون من خشيته وهذا هو الذي يبعثهم إلى الإيمان بآياته وعبادته ، وقد ظهر بما مر من المعنى أن الجمع في الآية بين الخشية والإشفاق ليس تكرارا مستدركا.
ثم قال:"و الذين هم بآيات ربهم يؤمنون"وهي كل ما يدل عليه تعالى بوجه ومن ذلك رسله الحاملون لرسالته وما أيدوا به من كتاب وغيره وما جاءوا به من شريعة لأن إشفاقهم من خشية الله يبعثهم إلى تحصيل رضاه ويحملهم على إجابته إلى ما يدعوهم إليه وائتمارهم لما يأمرهم به من طريق الوحي والرسالة.
ثم قال:"و الذين هم بربهم لا يشركون"والإيمان بآياته هو الذي دعاهم إلى نفي الشركاء في العبادة فإن الإيمان بها إيمان بالشريعة التي شرعت عبادته تعالى والحجج التي دلت على توحده في ربوبيته وألوهيته.
على أن جميع الرسل والأنبياء (عليهم السلام) إنما جاءوا من قبله وإرسال الرسل لهداية الناس إلى الحق الذي فيه سعادتهم من شئون الربوبية ، ولو كان له شريك لأرسل رسولا ، ومن لطيف كلام علي عليه أفضل السلام قوله: لو كان لربك شريك لأتتك رسله.
ثم قال"و الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون"الوجل الخوف ، وقوله:"يؤتون ما آتوا"أي يعطون ما أعطوا من المال بالإنفاق في سبيل الله وقيل: المراد بإيتاء ما آتوا إتيانهم بكل عمل صالح ، وقوله:"و قلوبهم وجلة"حال من فاعل"يؤتون".
والمعنى والذين ينفقون ما أنفقوا أو يأتون بالأعمال الصالحة والحال أن قلوبهم خائفة من أنهم سيرجعون إلى ربهم أي إن الباعث لهم على الإنفاق في سبيل الله أو على صالح العمل ذكرهم رجوعهم المحتوم إلى ربهم على وجل منه.
وفي الآية دلالة على إيمانهم باليوم الآخر وإتيانهم بصالح العمل وعند ذلك تعينت صفاتهم أنهم الذين يؤمنون بالله وحده لا شريك له وبرسله وباليوم الآخر ويعملون الصالحات.
ثم قال:"أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون"الظاهر أن اللام في"لها"بمعنى"إلى"و"لها"متعلق بسابقون ، والمعنى أولئك الذين وصفناهم هم يسارعون في الخيرات من الأعمال وهم سابقون إليها أي يتسابقون فيها لأن ذلك لازم كون كل منهم مريدا للسبق إليها.
فقد بين في الآيات أن الخيرات هي الأعمال الصالحة المبتنية على الاعتقاد الحق الذي عند هؤلاء المؤمنين وهم يسارعون فيها وليست الخيرات ما عند أولئك الكفار وهم يعدونها بحسبانهم مسارعة من الله سبحانه لهم في الخيرات.
قال في التفسير الكبير: وفيه يعني قوله:"أولئك يسارعون في الخيرات"وجهان: أحدهما: أن المراد يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها لئلا تفوت عن وقتها ولكيلا تفوتهم دون الاحترام.
والثاني: أنهم يتعجلون في الدنيا أنواع النفع ووجوه الإكرام كما قال:"فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة""و آتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين"لأنهم إذا سورع لهم بها فقد سارعوا في نيلها وتعجلوها وهذا الوجه أحسن طباقا للآية المتقدمة لأن فيه إثبات ما نفي عن الكفار للمؤمنين.
انتهى.