فهرس الكتاب

الصفحة 810 من 4314

قوله تعالى:"يريد الله ليبين لكم"إلى آخر الآية ، بيان وإشارة إلى غاية تشريع ما سبق من الأحكام في الآيات الثلاث والمصالح التي تترتب عليها إذا عمل بها فقوله: يريد الله ليبين لكم أي أحكام دينه مما فيه صلاح دنياكم وعقباكم ، وما في ذلك من المعارف والحكم وعلى هذا فمعمول قوله: يبين محذوف للدلالة على فخامة أمره وعظم شأنه ، ويمكن أن يكون قوله: يبين لكم ، وقوله: ويهديكم متنازعين في قوله ، سنن الذين.

قوله تعالى:"و يهديكم سنن الذين من قبلكم"أي طرق حياة السابقين من الأنبياء والأمم الصالحة ، الجارين في الحياة الدنيا على مرضاة الله ، الحائزين به سعادة الدنيا والآخرة ، والمراد بسننهم على هذا المعنى سننهم في الجملة لا سننهم بتفاصيلها وجميع خصوصياتها فلا يرد عليه أن من أحكامهم ما تنسخه هذه الآيات بعينها كازدواج الإخوة بالأخوات في سنة آدم ، والجمع بين الأختين: في سنة يعقوب (عليه السلام) ، وقد جمع (عليه السلام) بين الأختين ليا أم يهودا وراحيل أم يوسف على ما في بعض الأخبار ، هذا.

وهنا معنى آخر قيل به ، وهو أن المراد الهداية إلى سنن جميع السابقين سواء كانوا على الحق أو على الباطل ، يعني أنا بينا لكم جميع السنن السابقة من حق وباطل لتكونوا على بصيرة فتأخذوا بالحق منها وتدعوا الباطل.

وهذا معنى لا بأس به غير أن الهداية في القرآن غير مستعملة في هذا المعنى ، وإنما استعمل فيما استعمل في الإيصال إلى الحق أو إرادة الحق كقوله: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء:"القصص: 56"وقوله: إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا:"الإنسان: 3"والأوفق بمذاق القرآن أن يعبر عن أمثال هذه المعاني بلفظ التبيين والقصص ونحو ذلك.

نعم لو جعل قوله يبين وقوله: ويهديكم متنازعين في قوله:"سنن الذين من قبلكم"وقوله: ويتوب عليكم أيضا راجعا إليه ، وآل المعنى إلى أن الله يبين لكم سنن الذين من قبلكم ، ويهديكم إلى الحق منها ، ويتوب عليكم فيما ابتليتم به من باطلها كان له وجه فإن الآيات السابقة فيها ذكر من سنن السابقين والحق والباطل منها ، والتوبة على ما قد سلف من السنن الباطلة.

قوله تعالى:"و يتوب عليكم والله عليم حكيم"التوبة المذكورة هو رجوعه إلى عبده بالنعمة والرحمة ، وتشريع الشريعة ، وبيان الحقيقة ، والهداية إلى طريق الاستقامة كل ذلك توبة منه سبحانه كما أن قبول توبة العبد ورفع آثار المعصية توبة.

وتذييل الكلام بقوله: والله عليم حكيم ليكون راجعا إلى جميع فقرات الآية ، ولو كان المراد رجوعه إلى آخر الفقرات لكان الأنسب ظاهرا أن يقال: والله غفور رحيم.

قوله تعالى:"و الله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين"إلخ ، كان تكرار ذكر توبته للمؤمنين للدلالة على أن قوله:"و يريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما"إنما يقابل من الفقرات الثلاث في الآية السابقة الفقرة الأخيرة فقط ، إذ لو ضم قوله: ويريد الذين"إلخ"إلى الآية السابقة من غير تكرار قوله: والله يريد"إلخ"أفاد المقابلة في معنى جميع الفقرات ولغا المعنى قطعا.

والمراد بالميل العظيم هتك هذه الحدود الإلهية المذكورة في الآيات بإتيان المحارم ، وإلغاء تأثير الأنساب والأسباب ، واستباحة الزنا والمنع عن الأخذ بما سنة الله من السنة القويمة.

قوله تعالى:"يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا"كون الإنسان ضعيفا لما ركب الله فيه القوى الشهوية التي لا تزال تنازعه في ما تتعلق به من المشتهيات ، وتبعثه إلى غشيانها فمن الله عليهم بتشريع حلية ما تنكسر به سورة شهوتهم بتجويز النكاح بما يرتفع به غائلة الحرج حيث قال:"و أحل لكم ما وراء ذلكم"وهو النكاح وملك اليمين فهداهم بذلك سنن الذين من قبلهم ، وزادهم تخفيفا منه لهم لتشريع نكاح المتعة إذ ليس معه كلفة النكاح وما يستتبعه من أثقال الوظائف من صداق ونفقة وغير ذلك.

وربما قيل: إن المراد به إباحة نكاح الإماء عند الضرورة تخفيفا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت