فهرس الكتاب

الصفحة 809 من 4314

و بالنظر إلى هذه المقابلة قال من قال: إن المراد بالسفاح الزنا جهرا وباتخاذ الخدن الزنا سرا ، وقد كان اتخاذ الخدن متداولا عند العرب حتى عند الأحرار والحرائر لا يعاب به مع ذمهم زنا العلن لغير الإماء.

فقوله"فانكحوهن بإذن أهلهن"إرشاد إلى نكاح الفتيات مشروطا بأن يكون بإذن مواليهن فإن زمام أمرهن إنما هو بيد الموالي لا غير ، وإنما عبر عنهم بقوله"أهلهن"جريا على ما يقتضيه قوله قبل:"بعضكم من بعض"فالفتاة واحدة من أهل بيت مولاها ومولاها أهلها.

والمراد بإتيانهن أجورهن بالمعروف توفيتهن مهور نكاحهن وإتيان الأجور إياهن إعطاؤها مواليهن ، وقد أرشد إلى الإعطاء بالمعروف عن غير بخس ومماطلة وإيذاء.

قوله تعالى:"فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب"قرىء أحصن بضم الهمزة بالبناء للمفعول وبفتح الهمزة بالبناء للفاعل ، وهو الأرجح.

الإحصان في الآية إن كان هو إحصان الازدواج كان أخذه في الشرط المجرد كون مورد الكلام في ما تقدم ازدواجهن ، وذلك أن الأمة تعذب نصف عذاب الحرة إذا زنت سواء كانت محصنة بالازدواج أو لا من غير أن يؤثر الإحصان فيها شيئا زائدا.

وأما إذا كان إحصان الإسلام كما قيل - ويؤيده قراءة فتح الهمزة - تم المعنى من غير مئونة زائدة ، وكان عليهن إذا زنين نصف عذاب الحرائر سواء كن ذوات بعولة أو لا.

والمراد بالعذاب هو الجلد دون الرجم لأن الرجم لا يقبل الانتصاف وهو الشاهد على أن المراد بالمحصنات الحرائر غير ذوات الأزواج المذكورة في صدر الآية.

واللام للعهد فمعنى الآية بالجملة أن الفتيات المؤمنات إذا أتين بفاحشة وهو الزنا فعليهن نصف حد المحصنات غير ذوات الأزواج ، وهو جلد خمسين سوطا.

ومن الممكن أن يكون المراد بالإحصان إحصان العفة ، وتقريره أن الجواري يومئذ لم يكن لهن الاشتغال بكل ما تهواه أنفسهن من الأعمال بما لهن من اتباع أوامر مواليهن وخاصة في الفاحشة والفجور وكانت الفاحشة فيهن - لو اتفقت - بأمر من مواليهن في سبيل الاستغلال بهن والاستدرار من عرضهن كما يشعر به النهي الوارد في قوله تعالى: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا:"النور: 33"فالتماسهن الفجور واشتغالهن بالفحشاء باتخاذها عادة ومكسبا كان فيما كان بأمر مواليهن من دون أن يسع لهن الاستنكاف والتمرد ، وإذا لم يكرههن الموالي على الفجور فالمؤمنات منهن على ظاهر تقوى الإسلام ، وعفة الإيمان ، وحينئذ إن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ، وهو قوله تعالى: فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة"إلخ".

ومن هنا يظهر أن لا مفهوم لهذه الشرطية على هذا المعنى وذلك أنهن إذا لم يحصن ولم يعففن كن مكرهات من قبل مواليهن مؤتمرات لأمرهم كما لا مفهوم لقوله تعالى: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا:"النور: - 33"حيث إنهن إن لم يردن التحصن لم يكن موضوع لإكراههن من قبل الموالي لرضاهن بذلك فافهم.

قوله تعالى:"ذلك لمن خشي العنت منكم"العنت الجهد والشدة والهلاك ، وكان المراد به الزنا الذي هو نتيجة وقوع الإنسان في مشقة الشبق وجهد شهوة النكاح وفيه هلاك الإنسان.

والإشارة على ما قيل: إلى نكاح الجواري المذكور في الآية ، وعليه فمعنى قوله"و أن تصبروا خير لكم"أن تصبروا عن نكاح الإماء أو عن الزنا خير لكم.

ويمكن أن يكون ذلك إشارة إلى وجوب نكاح الإماء أو وجوب مطلق النكاح لو استفيد شيء منهما من سابق سياق الآية والله أعلم.

وكيف كان فكون الصبر خيرا إن كان المراد هو الصبر عن نكاح الإماء إنما هو لما فيه من حقوق مواليهن وفي أولادهن على ما فصل في الفقه ، وإن كان المراد الصبر عن الزنا إنما هو لما في الصبر من تهذيب النفس وتهيئة ملكة التقوى فيها بترك اتباع هواها في الزنا من غير ازدواج أو معه ، والله غفور رحيم يمحو بمغفرته آثار خطرات السوء عن نفوس المتقين من عباده ويرحمهم برحمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت