و سوق الكلام على الجهة الغالبة أو المعروفة السابقة إلى الذهن وخاصة في مقام تشريع الأحكام والقوانين كثير شائع في القرآن الكريم كقوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه ، ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر:"البقرة: 185"، مع أن العذر لا ينحصر في المرض والسفر ، وقوله تعالى: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا:"النساء: 43"، والأعذار وقيود الكلام كما ترى مبنية على الغالب المعروف ، إلى غير ذلك من الآيات.
هذا على ما ذكروه من حمل الآية على النكاح الدائم ، ولا يوجب ذلك من حيث اشتماله على معنى التنزل والتوسعة اختصاص الآية السابقة بالنكاح الدائم ، وكون قوله: فما استمتعتم به منهن ، غير مسوق لبيان حكم نكاح المتعة كما توهمه بعضهم ، لأن هذا التنزل والتوسعة واقع بطرفيه المنزل عنه والمنزل إليه في نفس هذه الآية أعني قوله: فمن لم يستطع منكم طولا"إلخ".
على أن الآية بلفظها لا تأبى عن الحمل على مطلق النكاح الشامل للدائم والمنقطع كما سيتضح بالكلام على بقية فقراتها.
قوله تعالى:"و الله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض"لما كان الإيمان المأخوذ في متعلق الحكم أمرا قلبيا لا سبيل إلى العلم بحقيقته بحسب الأسباب ، وربما أوهم تعليقا بالمتعذر أو المتعسر ، وأوجب تحرج المكلفين منه ، بين تعالى أنه هو العالم بإيمان عباده المؤمنين وهو كناية عن أنهم إنما كلفوا الجري على الأسباب الظاهرية الدالة على الإيمان كالشهادتين والدخول في جماعة المسلمين والإتيان بالوظائف العامة الدينية ، فظاهر الإيمان هو الملاك دون باطنه.
وفي هداية هؤلاء المكلفين غير المستطيعين إلى الازدواج بالإماء نقص وقصور آخر في الوقوع موقع التأثير والقبول ، وهو أن عامة الناس يرون لطبقة المملوكين من العبيد والإماء هوانا في الأمر وخسة في الشأن ونوع ذلة وانكسار فيوجب ذلك انقباضهم وجماح نفوسهم من الاختلاط بهم والمعاشرة معهم وخاصة بالازدواج الذي هو اشتراك حيوي وامتزاج باللحم والدم.
فأشار سبحانه بقوله:"بعضكم من بعض"إلى حقيقة صريحة يندفع بالتأمل فيها هذا التوهم الفاسد فالرقيق إنسان كما أن الحر إنسان لا يتميزان في ما به يصير الإنسان واجدا لشئون الإنسانية ، وإنما يفترقان بسلسلة من أحكام موضوعة يستقيم بها المجتمع الإنساني في إنتاجه سعادة الناس ، ولا عبرة بهذه التميزات عند الله ، والذي به العبرة هو التقوى الذي به الكرامة عند الله ، فلا ينبغي للمؤمنين أن ينفعلوا عن أمثال هذه الخطرات الوهمية التي تبعدهم عن حقائق المعارف المتضمنة سعادتهم وفلاحهم ، فإن الخروج عن مستوى الطريق المستقيم ، وإن كان حقيرا في بادي أمره لكنه لا يزال يبعد الإنسان من صراط الهداية حتى يورده أودية الهلكة.
ومن هنا يظهر أن الترتيب الواقع في صدر الآية في صورة الاشتراط والتنزل ، أعني قوله:"و من لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم"، إنما هو جرى في الكلام على مجرى الطبع والعادة ، وليس إلزاما للمؤمنين على الترتيب بمعنى أن يتوقف جواز نكاح الأمة على فقدان الاستطاعة على نكاح الحرة بل لكون الناس بحسب طباعهم سالكين هذا المسلك خاطبهم أن لو لم يقدروا على نكاح الحرائر فلهم أن يقدموا على نكاح الفتيات من غير انقباض ، ونبه مع ذلك على أن الحر والرق من نوع واحد بعض أفراده يرجع إلى بعض.
ومن هنا يظهر أيضا فساد ما ذكره بعضهم في قوله تعالى في ذيل الآية:"و أن تصبروا خير لكم"أن المعنى وصبركم عن نكاح الإماء مع العفة خير لكم من نكاحهن لما فيه من الذل والمهانة والابتذال ، هذا ، فإن قوله:"بعضكم من بعض"ينافي ذلك قطعا.
قوله تعالى:"فانكحوهن بإذن أهلهن"إلى قوله:"أخدان"المراد بالمحصنات العفائف فإن ذوات البعولة لا يقع عليهن نكاح ، والمراد بالمسافحات ما يقابل متخذات الأخدان ، الأخدان جمع خدن بكسر الخاء وهو الصديق ، يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع ، وإنما أتى به بصيغة الجمع للدلالة على الكثرة نصا ، فمن يأخذ صديقا للفحشاء لا يقنع بالواحد والاثنين فيه لأن النفس لا تقف على حد إذا أطيعت فيما تهواه.