و في قوله: وقد بلغني الكبر من مراعاة الأدب ما لا يخفى فإنه كناية عن أنه لا يجد من نفسه شهوة النكاح لبلوغ الشيخوخة والهرم.
وقد اجتمعت في امرأته الكبر والعقر معا فإن ذلك ظاهر قوله: وكانت امرأتي عاقرا ، ولم يقل: وامرأتي عاقر.
قوله تعالى: قال كذلك الله يفعل ما يشاء ، فاعل قال وإن كان هو الله سبحانه سواء كان من غير وساطة الملائكة وحيا أو بواسطة الملائكة الذين كانوا ينادونه فالقول على أي حال قوله تعالى لكن الظاهر أنه منسوب إليه تعالى بواسطة الملك فالقائل هو الملك وقد نسب إليه تعالى لأنه بأمره ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة مريم في القصة:"قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا": مريم - 9.
ومنه يظهر أولا: أنه سمع الصوت من حيث كان يسمعه أولا.
وثانيا: أن قوله: كذلك ، خبر لمبتدإ محذوف ، والتقدير: الأمر كذلك أي الذي بشرت به من الموهبة هو كذلك كائن لا محالة ، وفيه إشارة إلى كونه من القضاء المحتوم الذي لا ريب في وقوعه نظير ما ذكره الروح في جواب مريم على ما حكاه الله تعالى:"قال كذلك قال ربك هو علي هين إلى أن قال -: وكان أمرا مقضيا": مريم - 21 ، وثالثا: أن قوله: الله يفعل ما يشاء كلام مفصول في مقام التعليل لمضمون قوله: كذلك اه.
قوله تعالى: قال رب اجعل لي آية قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا إلى آخر الآية ، قال في المجمع ، الرمز الإيماء بالشفتين ، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجب والعين واليد ، والأول أغلب ، انتهى ، والعشي الطرف المؤخر من النهار ، وكأنه مأخوذ من العشوة وهي الظلمة الطارئة في العين المانعة عن الإبصار فأخذوا ذلك وصفا للوقت لرواحه إلى الظلمة ، والإبكار صدر النهار والطرف المقدم منه ، والأصل في معناه الاستعجال.
ووقوع هذه الآية في ولادة يحيى من وجوه المضاهاة بينه وبين عيسى فإنها تضاهي قول عيسى لمريم بعد تولده:"فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا": مريم - 26.
وسؤاله (عليه السلام) من ربه أن يجعل له آية والآية هي العلامة الدالة على الشيء - هل هو ليستدل به على أن البشارة إنما هي من قبل ربه ، وبعبارة أخرى هو خطاب رحماني ملكي لا شيطاني؟ أو لأنه أراد أن يستدل بها على حمل امرأته ، ويعلم وقت الحمل ، خلاف بين المفسرين.
والوجه الثاني لا يخلو عن بعد من سياق الآيات وجريان القصة لكن الذي أوجب تحاشي القوم عن الذهاب إلى أول الوجهين أعني كون سؤال الآية لتمييز أن الخطاب رحماني هو ما ذكروه: أن الأنبياء لعصمتهم لا بد أن يعرفوا الفرق بين كلام الملك ووسوسة الشيطان ، ولا يجوز أن يتلاعب الشيطان بهم حتى يختلط عليهم طريق الإفهام.
وهو كلام حق لكن يجب أن يعلم أن تعرفهم إنما هو بتعريف الله تعالى لهم لا من قبل أنفسهم واستقلال ذواتهم ، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يتعرف زكريا من ربه أن يجعل له آية يعرف به ذلك؟ وأي محذور في ذلك؟ نعم لو لم يستجب دعاءه ولم يجعل الله له آية كان الإشكال في محله.
على أن خصوصية نفس الآية - وهي عدم التكليم ثلاثة أيام - تؤيد بل تدل على ذلك فإن الشيطان وإن أمكن أن يمس الأنبياء في أجسامهم أو بتخريب أو إفساد في ما يرجونه من نتائج أعمالهم في رواج الدين واستقبال الناس أو تضعيف أعداء الدين كما يدل عليه قوله تعالى:"و اذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب": ص - 41 ، وقوله تعالى:"و ما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته"الآية: الحج - 52 ، وقوله تعالى:"فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان: الكهف - 63."
لكن هذه وأمثالها من مس الشيطان وتعرضه لا تنتج إلا إيذاء النبي وأما مسه الأنبياء في نفوسهم فالأنبياء معصومون من ذلك وقد مر في ما تقدم من المباحث إثبات عصمتهم (عليهم السلام) .