فهرس الكتاب

الصفحة 454 من 4314

و من الشواهد على أن الآية غير منسوخة التعليل الذي فيها أعني قوله: قد تبين الرشد من الغي ، فإن الناسخ ما لم ينسخ علة الحكم لم ينسخ نفس الحكم ، فإن الحكم باق ببقاء سببه ، ومعلوم أن تبين الرشد من الغي في أمر الإسلام أمر غير قابل للارتفاع بمثل آية السيف ، فإن قوله: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم مثلا ، أو قوله: وقاتلوا في سبيل الله الآية لا يؤثران في ظهور حقية الدين شيئا حتى ينسخا حكما معلولا لهذا الظهور.

وبعبارة أخرى الآية تعلل قوله: لا إكراه في الدين بظهور الحق: وهو معنى لا يختلف حاله قبل نزول حكم القتال وبعد نزوله ، فهو ثابت على كل حال ، فهو غير منسوخ.

قوله تعالى: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى"إلخ"، الطاغوت هو الطغيان والتجاوز عن الحد ولا يخلو عن مبالغة في المعنى كالملكوت والجبروت ، ويستعمل فيما يحصل به الطغيان كأقسام المعبودات من دون الله كالأصنام والشياطين والجن وأئمة الضلال من الإنسان وكل متبوع لا يرضى الله سبحانه باتباعه ، ويستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والتثنية والجمع.

وإنما قدم الكفر على الإيمان في قوله: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ، ليوافق الترتيب الذي يناسبه الفعل الواقع في الجزاء أعني الاستمساك بالعروة الوثقى ، لأن الاستمساك بشيء إنما يكون بترك كل شيء والأخذ بالعروة ، فهناك ترك ثم أخذ ، فقدم الكفر وهو ترك على الإيمان وهو أخذ ليوافق ذلك ، والاستمساك هو الأخذ والإمساك بشدة ، والعروة: ما يؤخذ به من الشيء كعروة الدلو وعروة الإناء ، والعروة هي كل ما له أصل من النبات وما لا يسقط ورقه ، وأصل الباب التعلق يقال: عراه واعتراه أي تعلق به.

والكلام أعني قوله: فقد استمسك بالعروة الوثقى ، موضوع على الاستعارة للدلالة على أن الإيمان بالنسبة إلى السعادة بمنزلة عروة الإناء بالنسبة إلى الإناء وما فيه ، فكما لا يكون الأخذ أخذا مطمئنا حتى يقبض على العروة كذلك السعادة الحقيقية لا يستقر أمرها ولا يرجى نيلها إلا أن يؤمن الإنسان بالله ويكفر بالطاغوت.

قوله تعالى: لا انفصام لها والله سميع عليم ، الانفصام: الانقطاع والانكسار ، والجملة في موضع الحال من العروة تؤكد معنى العروة الوثقى ، ثم عقبه بقوله: والله سميع عليم ، لكون الإيمان والكفر متعلقا بالقلب واللسان.

قوله تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم إلى آخر الآية ، قد مر شطر من الكلام في معنى إخراجه من النور إلى الظلمات ، وقد بينا هناك أن هذا الإخراج وما يشاكله من المعاني أمور حقيقية غير مجازية خلافا لما توهمه كثير من المفسرين وسائر الباحثين أنها معان مجازية يراد بها الأعمال الظاهرية من الحركات والسكنات البدنية ، وما يترتب عليها من الغايات الحسنة والسيئة ، فالنور مثلا هو الاعتقاد الحق بما يرتفع به ظلمة الجهل وحيرة الشك واضطراب القلب ، والنور هو صالح العمل من حيث إن رشده بين ، وأثره في السعادة جلي ، كما أن النور الحقيقي على هذه الصفات.

والظلمة هو الجهل في الاعتقاد والشبهة والريبة وطالح العمل ، كل ذلك بالاستعارة.

والإخراج من الظلمة إلى النور الذي ينسب إلى الله تعالى كالإخراج من النور إلى الظلمات الذي ينسب إلى الطاغوت نفس هذه الأعمال والعقائد فليس وراء هذه الأعمال والعقائد ، لا فعل من الله تعالى وغيره كالإخراج مثلا ولا أثر لفعل الله تعالى وغيره كالنور والظلمة وغيرهما ، هذا ما ذكره قوم من المفسرين والباحثين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت