فالعلم يساوق الوجود المجرد ، والوجودات المادية لا يتعلق بها علم ولا لها علم بشيء لكن لها ، على كونها مادية متغيرة متحركة لا تستقر على حال ، ثبوتا من غير تغير ولا تحول لا ينقلب عما وقع عليه.
فلها من هذه الجهة تجرد والعلم سار فيها كما هو سار في المجردات المحضة العقلية والمثالية فافهم ذلك.
قوله تعالى:"و ما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم"إلخ لا شك أن الله سبحانه خالق كل شيء لا موجد غيره فلا يحول بين خلقه وبينه شيء ولا يحجب خلقه من حاجب فهو تعالى مع كل شيء أينما كان وكيفما كان قال تعالى:"إن الله على كل شيء شهيد:"الحج: - 17 وقال:"و كان الله على كل شيء رقيبا:"الأحزاب: - 52.
فالإنسان أينما كان كان الله معه ، وأي عمل عمله كان الله مع عمله ، وأي عضو من أعضائه استعمله وأي سبب أو أداة أو طريق اتخذه لعمله كان مع ذلك العضو والسبب والأداة والطريق قال تعالى:"و هو معكم أينما كنتم:"الحديد: - 4 ، وقال:"أ فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت:"الرعد: - 33 ، وقال:"إن ربك لبالمرصاد:"الفجر: - 14.
ومن هنا يستنتج أن الإنسان - وهو جار في عمله - واقع بين مراصد كثيرة يرصده من كل منها ربه ويرقبه ويشهده فمرتكب المعصية وهو متوغل في سيئته غافل عنه تعالى في جهل عظيم بمقام ربه واستهانة به سبحانه وهو يرصده ويرقبه.
وهذه الحقيقة هي التي تشير إليه الآية أعني قوله:"و ما كنتم تستترون"إلخ على ما يعطيه السياق.
فقوله:"و ما كنتم تستترون"نفي لاستتارهم وهم في المعاصي قبلا وهم في الدنيا وقوله:"أن يشهد"إلخ منصوب بنزع الخافض والتقدير من أن يشهد إلخ.
وقوله:"و لكن ظننتم أن الله لا يعلم"استدراك في معنى الإضراب عن محذوف يدل عليه صدر الآية ، والتقدير ولم تظنوا أنها لا تعلم أعمالكم ولكن ظننتم إلخ والآية تقريع وتوبيخ للمشركين أو لمطلق المجرمين يوجه إليهم يوم القيامة من قبله تعالى.
ومحصل المعنى وما كنتم تستخفون في الدنيا عند المعاصي من شهادة أعضائكم التي تستعملونها في معصية الله ولم يكن ذلك لظنكم أنها لا إدراك فيها لعملكم بل لظنكم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون أي لم تستهينوا عند المعصية بشهادة أعضائكم وإنما استهنتم بشهادتنا.
فالاستدراك ومعنى الإضراب في الآية نظير ما في قوله تعالى:"و ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى:"الأنفال: - 17 ، وقوله:"و ما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون:"البقرة: - 57.
وقوله:"كثيرا مما تعملون"ولم يقل: لا يعلم ما تعملون ولعل ذلك لكونهم معتقدين بالله وبصفاته العليا التي منها العلم فهم يعتقدون فيه العلم في الجملة لكن حالهم في المعاصي حال من لا يرى علمه بكثير من أعماله.
ويستفاد من الآية أن شهادة الشهود شهادته تعالى بوجه قال تعالى:"و لا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهود إذ تفيضون فيه:"يونس: - 61.
ولهم في توجيه معنى الآية أقوال أخر لا يساعد عليها السياق ولا تخلو من تكلف أضربنا عن التعرض لها.
قوله تعالى:"و ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين"الإرداء من الردى بمعنى الهلاك ، و"ذلكم ظنكم"مبتدأ وخبر و"أرداكم"خبر بعد خبر ، ويمكن أن يكون"ظنكم"بدلا من ذلكم.
ومعنى الآية على الأول وذلكم الظن الذي ذكر ظن ظننتموه لا يغني من الحق شيئا والعلم والشهادة على حالها أهلككم ذلك الظن فأصبحتم من الخاسرين.
وعلى الثاني وظنكم الذي ظننتم بربكم أنه لا يعلم كثيرا مما تعملون أهلككم إذ هون عليكم أمر المعاصي وأدى بكم إلى الكفر فأصبحتم من الخاسرين.
قوله تعالى:"فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين"في المفردات ،: الثواء الإقامة مع الاستقرار.
انتهى ، وفي المجمع ، الاستعتاب طلب العتبى وهي الرضا وهو الاسترضاء ، والإعتاب الإرضاء ، وأصل الإعتاب عند العرب استصلاح الجلد بإعادته في الدباغ ثم استعير فيما يستعطف به البعض بعضا لإعادته ما كان من الألفة.
انتهى.
ومعنى الآية فإن يصبروا فالنار مأواهم ومستقرهم وإن يطلبوا الرضا ويعتذروا لينجوا من العذاب فليسوا ممن يرضى عنهم ويقبل أعتابهم ومعذرتهم فالآية في معنى قوله:"اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم:"الطور: - 16.