فهرس الكتاب

الصفحة 3148 من 4314

و الكلام في قوله الآتي:"و هو الذي جعل لكم الليل"إلخ ، وقوله:"و هو الذي أرسل الرياح"وقوله:"و هو الذي مرج البحرين"، وقوله:"و هو الذي خلق من الماء بشرا"كالكلام في قوله:"أ لم تر إلى ربك"، والكلام في قوله:"و أنزلنا من السماء ماء"إلخ ، وقوله:"و لقد صرفناه بينهم"، وقوله:"و لو شئنا لبعثنا"، كالكلام في قوله:"ثم جعلنا الشمس".

قوله تعالى:"و هو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا"كون الليل لباسا إنما هو سترة الإنسان بغشيان الظلمة كما يستر اللباس لابسه.

وقوله:"و النوم سباتا"أي قطعا للعمل ، وقوله:"و جعل النهار نشورا"أي جعل فيه الانتشار وطلب الرزق على ما ذكره الراغب في معنى اللفظتين.

وحال ستره تعالى الناس بلباس الليل وقطعهم به عن العمل والحركة ثم نشرهم للعمل والسعي بإظهار النهار وبسط النور كحال مد الظل ثم جعل الشمس عليه دليلا وقبض الظل بها إليه.

قوله تعالى:"و هو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا"البشر بالضم فالسكون مخفف بشر بضمتين جمع بشور بمعنى مبشر أي هو الذي أرسل الرياح مبشرات بين يدي رحمته وهي المطر.

وقوله:"و أنزلنا من السماء ماء طهورا"أي من جهة العلو وهي جو الأرض ماء طهورا أي بالغا في طهارته فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره يزيل الأوساخ ويذهب بالأرجاس والأحداث - فالطهور على ما قيل صيغة مبالغة -.

قوله تعالى:"لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا"، البلدة معروفة قيل: وأريد بها المكان كما في قوله:"و البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه": الأعراف: 58 ، ولذا اتصف بالميت وهو مذكر والمكان الميت ما لا نبات فيه وإحياؤه إنباته ، والأناسي جمع إنسان ، ومعنى الآية ظاهر.

وحال شمول الموت للأرض والحاجة إلى الشرب والري للأنعام والأناسي ثم إنزاله تعالى من السماء ماء طهورا ليحيي به بلدة ميتا ويسقيه أنعاما وأناسي كثيرا من خلقه كحال مد الظل ثم الدلالة عليه بالشمس ونسخه بها كما تقدم.

قوله تعالى:"و لقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا"ظاهر اتصال الآية بما قبلها أن ضمير"صرفناه"للماء وتصريفه بينهم صرفه عن قوم إلى غيرهم تارة وعن غيرهم إليهم أخرى فلا يدوم في نزوله على قوم فيهلكوا ولا ينقطع عن قوم دائما فيهلكوا بل يدور بينهم حتى ينال كل نصيبه بحسب المصلحة ، وقيل: المراد بالتصريف التحويل من مكان إلى مكان.

وقوله:"ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا"تعليل للتصريف أي وأقسم لقد صرفنا الماء بتقسيمه بينهم ليتذكروا فيشكروا فأبى وامتنع أكثر الناس إلا كفران النعمة.

قوله تعالى:"و لو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا"أي لو أردنا أن نبعث في كل قرية نذيرا ينذرهم ورسولا يبلغهم رسالاتنا لبعثنا ولكن بعثناك إلى القرى كلها نذيرا ورسولا لعظيم منزلتك عندنا.

هكذا فسرت الآية ولا تخلو الآية التالية من تأييد لذلك ، وهذا المعنى لما وجهنا به اتصال الآيات أنسب.

أو أن المراد أنا قادرون على أن نبعث في كل قرية رسولا وإنما اخترناك لمصلحة في اختيارك.

قوله تعالى:"فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا"متفرع على معنى الآية السابقة ، وضمير"به"للقرآن بشهادة سياق الآيات ، والمجاهدة والجهاد بذل الجهد والطاقة في مدافعة العدو وإذ كان بالقرآن فالمراد تلاوته عليهم وبيان حقائقه لهم وإتمام حججه عليهم.

فمحصل مضمون الآية أنه إذا كان مثل الرسالة الإلهية في رفع حجاب الجهل والغفلة المضروب على قلوب الناس بإظهار الحق لهم وإتمام الحجة عليهم مثل الشمس في الدلالة على الظل الممدود ونسخه بأمر الله ، ومثل النهار بالنسبة إلى الليل وسبته ، ومثل المطر بالنسبة إلى الأرض الميتة والأنعام والأناسي الظامئة ، وقد بعثناك لتكون نذيرا لأهل القرى فلا تطع الكافرين لأن طاعتهم تبطل هذا الناموس العام المضروب للهداية.

وابذل مبلغ جهدك ووسعك في تبليغ رسالتك وإتمام حجتك بالقرآن المشتمل على الدعوة الحقة وجاهدهم به مجاهدة كبيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت