فهرس الكتاب

الصفحة 3147 من 4314

فهي تبين أن ليس هذا ببدع من الله سبحانه ففي عجائب صنعه وبينات آياته نظائر لذلك ففعله متشابه وهو على صراط مستقيم ، وذلك كمد الظل وجعل الشمس دليلا عليه تنسخه ، وكجعل الليل لباسا والنوم سباتا والنهار نشورا ، وكجعل الرياح بشرا وإنزال المطر وإحياء الأرض الميتة وإرواء الأنعام والأناسي به.

ثم ما مثل المؤمن والكافر في اهتداء هذا وضلال ذاك - وهم جميعا عباد الله يعيشون في أرض واحدة - إلا كمثل الماءين العذب الفرات والملح الأجاج مرجهما الله تعالى لكن جعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ، وكالماء خلق الله سبحانه منه بشرا ثم جعله نسبا وصهرا فاختلف بذلك المواليد وكان ربك قديرا.

هذا ما يهدي إليه التدبر في مضامين الآيات وخصوصيات نظمها وبه يظهر وجه اتصالها بما تقدمها ، وأما ما ذكروه من أن الآيات مسوقة لبيان بعض أدلة التوحيد إثر بيان جهالة المعرضين عنها وضلالهم فالسياق لا يساعد عليه وسنزيد ذلك إيضاحا.

فقوله:"أ لم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا"تنظير - كما تقدمت الإشارة إليه - لشمول الجهل والضلال للناس ورفعه تعالى ذلك بالرسالة والدعوة الحقة كما يشاء ولازم ذلك أن يكون المراد بمد الظل ما يعرض الظل الحادث بعد الزوال من التمدد شيئا فشيئا من المغرب إلى المشرق حسب اقتراب الشمس من الأفق حتى إذا غربت كانت فيه نهاية الامتداد وهو الليل ، وهو في جميع أحواله متحرك ولو شاء الله لجعله ساكنا.

وقوله:"ثم جعلنا الشمس عليه دليلا"والدليل هي الشمس من حيث دلالتها بنورها على أن هناك ظلا وبانبساطه شيئا فشيئا على تمدد الظل شيئا فشيئا ولولاها لم يتنبه لوجود الظل فإن السبب العام لتمييز الإنسان بعض المعاني من بعض تحول الأحوال المختلفة عليه من فقدان ووجدان فإذا فقد شيئا كان يجده تنبه لوجوده وإذا وجد ما كان يفقده تنبه لعدمه ، وأما الأمر الثابت الذي لا تتحول عليه الحال فليس إلى تصوره بالتنبه سبيل.

وقوله:"ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا"أي أزلنا الظل بإشراق الشمس وارتفاعها شيئا فشيئا حتى ينسخ بالكلية ، وفي التعبير عن الإزالة والنسخ بالقبض ، وكونه إليه ، وتوصيفه باليسير دلالة على كمال القدرة الإلهية وأنها لا يشق عليها فعل ، وأن فقدان الأشياء بعد وجودها ليس بالانعدام والبطلان بل بالرجوع إليه تعالى.

وما تقدم من تفسير مد الظل بتمديد الفيء بعد زوال الشمس وإن كان معنى لم يذكره المفسرون لكن السياق - على ما أشرنا إليه - لا يلائم غيره مما ذكره المفسرون كقول بعضهم: إن المراد بالظل الممدود ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وقول بعض: ما بين غروب الشمس وطلوعها ، وقول بعض: ما يحدث من مقابلة كثيف كجبل أو بناء أو شجر للشمس بعد طلوعها ، وقول بعض - وهو أسخف الأقوال - هو ما كان يوم خلق الله السماء وجعلها كالقبة ثم دحا الأرض من تحتها فألقت ظلها عليها.

وفي الآية أعني قوله:"أ لم تر إلى ربك"إلخ ، التفات من سياق التكلم بالغير في الآيات السابقة إلى الغيبة ، والنكتة فيه أن المراد بالآية وما يتلوها من الآيات بيان أن أمر الهداية إلى الله سبحانه وليس للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأمر شيء وهو تعالى لا يريد هدايتهم وأن الرسالة والدعوة الحقة في مقابلتها للضلال المنبسط على أهل الضلال ونسخها ما تنسخ منه من شعب السنة العامة الإلهية في بسط الرحمة على خلقه نظير إطلاع الشمس على الأرض ونسخ الظل الممدود فيها بها ، ومن المعلوم أن الخطاب المتضمن لهذه الحقيقة مما ينبغي أن يختص به (صلى الله عليه وآله وسلم) وخاصة من جهة سلب القدرة على الهداية عنه ، وأما الكفار المتخذون إلههم هواهم وهم لا يسمعون ولا يعقلون فلا نصيب لهم فيه.

وفي قوله:"ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا"رجوع إلى السياق السابق ، وفي ذلك مع ذلك من إظهار العظمة والدلالة على الكبرياء ما لا يخفى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت