و وجه آخر هو وجه الإمكان وصورة الاستعداد والقابلية لا يتعين بحسبه شيء إلا بعد الوقوع ، ولا يخرج عن الإبهام والإجمال إلا بعد التحقق ، وعليه يقوم ناموس الاختيار ، وبه يتقوم السعي والحركات ، ويبتني العمل والاكتساب ، وإليه تركن التعاليم والتربية والخوف والرجاء والأماني والأهواء ، وبه تنجح الدعوة والأمر والنهي ويصح الثواب والعقاب.
ومن الضروري أن الوجهين لا يتدافعان في الوجود ولا يبطل أحدهما الآخر فللفعلية ظرفها وللإمكان والاستعداد ظرفه كما لا يدفع إبهام الحادثة الفلانية تعينها بعد التحقق ، ولا تعينها بعده إبهامها قبله.
والوجه الأول هو وجه القضاء الإلهي ، ولا يبطل تعيين الحوادث بحسبه عدم تعينها بحسب ظرف الدعوة والعمل والاكتساب ، وسنستوفي البحث في ذلك عند ما نضع الكلام في القضاء والقدر فيما يناسبه من الموضع إن شاء الله تعالى.
ولنرجع إلى الأحاديث: التأمل في سياقها يعطي أنهم فهموا من كتابه السعادة والشقاوة والجنة والنار وجريان القلم بذلك ، الضرورة والوجوب ، وتوهموا من ذلك أولا لزوم بطلان المقدمات الموصلة إلى الغايات ، وارتفاع الروابط بين المسببات وأسبابها ، وأنه إذا قضي للإنسان بالجنة تحتم له ذلك سواء عمل أو لم يعمل وسواء عمل صالحا أو اقترف سيئا.
وتوهموا ثانيا أن تلك المقدمات والأسباب نظائر للغايات والمسببات واقعة تحت القضاء مكتوبة محتومة فلا يبقى للاختيار معنى ولا للسعي والاكتساب مجال.
والذي وقع في الأحاديث من سؤالهم كقولهم:"يا رسول الله فعلام نعمل ، على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه؟"وقولهم:"يا رسول الله فيم يعمل العاملون؟"وقولهم:"أ لا نتكل؟"أي أ لا نترك العمل اتكالا على ما كتبه الله كتابه لا تتغير ولا تتبدل؟ كل ذلك يشير إلى التوهم الأول ، وكأن الذي كانوا يشاهدونه في أنفسهم من صفة الاختيار والاستطاعة صرفهم عن الإشارة إلى ثاني التوهمين وإن كان ناشبا على قلوبهم فإنهما متلازمان.
وقد أجاب (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سؤالهم بقوله:"كل ميسر لما خلق له"وهو مأخوذ من قوله تعالى في صفة خلق الإنسان:"ثم السبيل يسره": عبس: 20 أي أن كلا من أهل الجنة الذي خلقه الله لها ، ومن أهل النار الذي خلقه الله لها كما قال:"و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس": الأعراف: 179.
له غاية في خلقه وقد يسره الله السبيل إلى تلك الغاية وسهل له السلوك منه إليها.
فبين الإنسان الذي كتبت له الجنة وبين الجنة سبيل لا مناص من قطعه للوصول إليها ، وبينه وبين النار التي كتبت له كذلك ، وسبيل الجنة هو الإيمان والتقوى ، وسبيل النار هو الشرك والمعصية ، فالإنسان الذي كتب الله له الجنة إنما كتب له الجنة التي سبيلها الإيمان والتقوى فلا بد من سلوكه ، ولم يكتب له الجنة سواء عمل أو لم يعمل وسواء عمل صالحا أو سيئا ، وكذلك الذي كتب له النار إنما كتب له النار من طريق الشرك والمعصية لا مطلقا.
ولذلك أعقب (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله:"كل ميسر لما خلق له"- على ما في رواية علي (عليه السلام) - بتلاوة قوله تعالى:"فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى": الليل: 10.
فالمتوقع لإحدى الغايتين من غير طريقه كالطامع في الشبع من غير أكل أو الري من غير شرب أو الانتقال من مكان إلى آخر من غير حركة فإنما الدار دار سعي وحركة لا تنال فيها غاية إلا بسلوك ونقله ، قال تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وإن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى": النجم ، 41."
ولم يهمل (صلى الله عليه وآله وسلم) الجواب عن ثاني التوهمين حيث عبر بالتيسير فإن التيسير هو التسهيل ، ومن المعلوم أن التسهيل إنما يتحقق في أمر لا ضرورة تحتمه ولا وجوب يعينه ويسد باب عدمه ، ولو كان سبيل الجنة ضروري السلوك حتمي القطع على الإطلاق للإنسان الذي كتبت له ، كان ثابتا لا يتغير ، ولم يكن معنى لتيسيره وتسهيل سلوكه له وهو ظاهر.