فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 4314

ثم ذكر الله سبحانه أن الشريعة التي شرعها له (صلى الله عليه وآله وسلم) هي الممثلة لهذا السبيل سبيل الدعوة والإخلاص فقال:"ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها": الجاثية - 18 ، وذكر أيضا أنه إسلام لله حيث قال:"فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن": آل عمران - 20 ، ثم نسبه إلى نفسه وبين أنه صراطه المستقيم فقال:"و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه": الأنعام - 153 ، فتبين بذلك كله أن الإسلام وهو الشريعة المشرعة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو مجموع المعارف الأصلية والخلقية والعملية وسيرته في الحيوة هو سبيل الإخلاص عند الله سبحانه الذي يعتمد ويبتني على الحب ، فهو دين الإخلاص ، وهو دين الحب.

ومن جميع ما تقدم على طوله يظهر معنى الآية التي نحن بصدد تفسيرها ، أعني قوله: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فالمراد - والله أعلم - إن كنتم تريدون أن تخلصوا لله في عبوديتكم بالبناء على الحب حقيقة فاتبعوا هذه الشريعة التي هي مبنية على الحب الذي ممثله الإخلاص والإسلام وهو صراط الله المستقيم الذي يسلك بسالكه إليه تعالى ، فإن اتبعتموني في سبيلي وشأنه هذا الشأن أحبكم الله وهو أعظم البشارة للمحب ، وعند ذلك تجدون ما تريدون ، وهذا هو الذي يبتغيه محب بحبه ، هذا هو الذي تقتضيه الآية الكريمة بإطلاقها.

وأما بالنظر إلى وقوعها بعد الآيات الناهية عن اتخاذ الكفار أولياء وارتباطها بما قبلها فهذه الولاية لكونها تستدعي في تحققها تحقق الحب بين الإنسان وبين من يتولى كما تقدم كانت الآية ناظرة إلى دعوتهم إلى اتباع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إن كانوا صادقين في دعواهم ولاية الله وأنهم من حزبه فإن ولاية الله لا يتم باتباع الكافرين في أهوائهم ولا ولاية إلا باتباع وابتغاء ما عندهم من مطامع الدنيا من عز ومال بل تحتاج إلى اتباع نبيه في دينه كما قال تعالى:"ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين": الجاثية - 19 ، انظر إلى الانتقال من معنى الاتباع إلى معنى الولاية في الآية الثانية.

فمن الواجب على من يدعي ولاية الله بحبه أن يتبع الرسول حتى ينتهي ذلك إلى ولاية الله له بحبه.

وإنما ذكر حب الله دون ولايته لأنه الأساس الذي تبتني عليه الولاية ، وإنما اقتصر على ذكر حب الله تعالى فحسب لأن ولاية النبي والمؤمنين تئول بالحقيقة إلى ولاية الله.

قوله تعالى: ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ، الرحمة الواسعة الإلهية وما عنده من الفيوضات المعنوية والصورية غير المتناهية غير موقوفة على شخص أو صنف من أشخاص عباده وأصنافهم ، ولا استثناء هناك يحكم على إطلاق إفاضته ، ولا سبيل يلزمه على الإمساك إلا حرمان من جهة عدم استعداد المستفيض المحروم أو مانع أبداه بسوء اختياره ، قال تعالى:"و ما كان عطاء ربك محظورا": إسراء - 20.

والذنوب هي المانعة من نيل ما عنده من كرامة القرب والزلفى وجميع الأمور التي هي من توابعها كالجنة وما فيها ، وإزالة رينها عن قلب الإنسان ومغفرتها وسترها عليه هي المفتاح الوحيد لانفتاح باب السعادة والدخول في دار الكرامة ، ولذلك عقب قوله: يحببكم الله بقوله: ويغفر لكم ذنوبكم ، فإن الحب كما تقدم يجذب المحب إلى المحبوب ، وكما كان حب العبد لربه يستدعي منه التقرب بالإخلاص له وقصر العبودية فيه كذلك حبه تعالى لعبده يستدعي قربه من العبد ، وكشفه حجب البعد وسبحات الغيبة ، ولا حجاب إلا الذنب فيستدعي ذلك مغفرة الذنوب ، وأما ما بعده من الكرامة والإفاضة فالجود كاف فيه كما تقدم آنفا.

والتأمل في قوله تعالى:"كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون": المطففين - 15 مع قوله تعالى في هذه الآية:"يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم"كاف في تأييد ما ذكرناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت