فهرس الكتاب

الصفحة 603 من 4314

فيئول المعنى - والله أعلم - إلى مثل أن يقال: إن الله لرأفته بعباده ينهاهم قبلا أن يتعرضوا لمثل هذه المعصية التي وبال أمرها واقع لا محالة من غير أن يؤثر فيه شفاعة شافع ولا دفع دافع.

قوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ، قد تقدم كلام في معنى الحب ، وأنه يتعلق بحقيقة معناه بالله سبحانه كما يتعلق بغيره في تفسير قوله تعالى:"و الذين آمنوا أشد حبا لله"الآية: البقرة - 165.

ونزيد عليه هاهنا: أنه لا ريب أن الله سبحانه - على ما ينادي به كلامه - إنما يدعو عبده إلى الإيمان به وعبادته بالإخلاص له والاجتناب عن الشرك كما قال تعالى:"ألا لله الدين الخالص": الزمر - 3 ، وقال تعالى:"و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين": البينة - 5 ، وقال تعالى:"فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون": المؤمن - 14 ، إلى غير ذلك من الآيات.

ولا شك أن الإخلاص في الدين إنما يتم على الحقيقة إذا لم يتعلق قلب الإنسان - الذي لا يريد شيئا ولا يقصد أمرا إلا عن حب نفسي وتعلق قلبي - بغيره تعالى من معبود أو مطلوب كصنم أو ند أو غاية دنيوية بل ولا مطلوب أخروي كفوز بالجنة أو خلاص من النار وإنما يكون متعلق قلبه هو الله تعالى في معبوديته ، فالإخلاص لله في دينه إنما يكون بحبه تعالى.

ثم الحب الذي هو بحسب الحقيقة الوسيلة الوحيدة لارتباط كل طالب بمطلوبه وكل مريد بمراده إنما يجذب المحب إلى محبوبه ليجده ويتم بالمحبوب ما للمحب من النقص ولا بشرى للمحب أعظم من أن يبشر أن محبوبه يحبه ، وعند ذلك يتلاقى حبان ، ويتعاكس دلالان.

فالإنسان إنما يحب الغذاء وينجذب ليجده ويتم به ما يجده في نفسه من النقص الذي آتيه الجوع ، وكذا يحب النكاح ليجد ما تطلبه منه نفسه الذي علامته الشبق وكذا يريد لقاء الصديق ليجده ويملك لنفسه الأنس وله يضيق صدره ، وكذا العبد يحب مولاه والخادم ربما يتوله لمخدومه ليكون مولى له حق المولوية ، ومخدوما له حق المخدومية ، ولو تأملت موارد التعلق والحب أو قرأت قصص العشاق والمتولهين على اختلافهم لم تشك في صدق ما ذكرناه.

فالعبد المخلص لله بالحب لا بغية له إلا أن يحبه الله سبحانه كما أنه يحب الله ويكون الله له كما يكون هو لله عز اسمه فهذا هو حقيقة الأمر غير أن الله سبحانه لا يعد في كلامه كل حب له حبا والحب في الحقيقة هو العلقة الرابطة التي تربط أحد الشيئين بالآخر على ما يقضي به ناموس الحب الحاكم في الوجود فإن حب الشيء يقتضي حب جميع ما يتعلق به ، ويوجب الخضوع والتسليم لكل ما هو في جانبه ، والله سبحانه هو الله الواحد الأحد الذي يعتمد عليه كل شيء في جميع شئون وجوده ويبتغي إليه الوسيلة ويصير إليه كل ما دق وجل ، فمن الواجب أن يكون حبه والإخلاص له بالتدين له بدين التوحيد وطريق الإسلام على قدر ما يطيقه إدراك الإنسان وشعوره ، وإن الدين عند الله الإسلام ، وهذا هو الدين الذي يندب إليه سفراؤه ، ويدعو إليه أنبياؤه ورسله ، وخاصة دين الإسلام الذي فيه من الإخلاص ما لا إخلاص فوقه ، وهو الدين الفطري الذي يختم به الشرائع وطرق النبوة كما يختم بصادعه الأنبياء (عليهم السلام) ، وهذا الذي ذكرناه مما لا يرتاب فيه المتدبر في كلامه تعالى.

وقد عرف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سبيله الذي سلكه بسبيل التوحيد ، وطريقة الإخلاص على ما أمره الله سبحانه حيث قال:"قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين": يوسف - 108 ، فذكر أن سبيله الدعوة إلى الله على بصيرة والإخلاص لله من غير شرك فسبيله دعوة وإخلاص ، واتباعه واقتفاء أثره إنما هو في ذلك فهو صفة من اتبعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت