قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء ، الظاهر من اتصال السياق أنه من تتمة القول في الآية السابقة الذي أمر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والظرف متعلق بمقدر أي واذكر يوم تجد ، أو متعلق بقوله: يعلمه الله ويعلم ، ولا ضير في تعليق علمه تعالى بما سنشاهده من أحوال يوم القيامة فإن هذا اليوم ظرف لعلمه تعالى بالنسبة إلى ظهور الأمر لنا لا بالنسبة إلى تحققه منه تعالى ، وذلك كظهور ملكه وقدرته وقوته في اليوم ، قال تعالى:"يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار": المؤمن - 16 ، وقال:"لا عاصم اليوم من الله": هود - 43 ، وقال:"و لو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا": البقرة - 165 ، وقال:"و الأمر يومئذ لله": الانفطار - 19 ، إذ من المعلوم أن الله سبحانه له كل الملك والقدرة والقوة والأمر دائما - قبل القيامة وفيها وبعدها - وإنما اختص يوم القيامة بظهور هذه الأمور لنا معاشر الخلائق ظهورا لا ريب فيه.
ومن ذلك يظهر أن تعلق الظرف بقوله: يعلمه الله ، لا يفيد تأخر علمه تعالى بسرائر عباده من خير أو شر إلى يوم القيامة.
على أن في قوله تعالى: محضرا ، دون أن يقول: حاضرا دلالة على ذلك فإن الإحضار إنما يتم فيما هو موجود غائب فالأعمال موجودة محفوظة عن البطلان يحضرها الله تعالى لخلقه يوم القيامة ، ولا حافظ لها إلا الله سبحانه ، قال تعالى:"و ربك على كل شيء حفيظ": سبأ - 21 وقال:"و عندنا كتاب حفيظ": ق - 4.
وقوله: تجد ، من الوجدان خلاف الفقدان ، ومن في قوله: من خير ومن سوء للبيان ، والتنكير للتعميم ، أي تجد كل ما عملت من الخير وإن قل وكذا من السوء وقوله: وما عملت من سوء ، معطوف على قوله ما عملت من خير على ما هو ظاهر السياق والآية من الآيات الدالة على تجسم الأعمال ، وقد مر البحث عنها في سورة البقرة.
قوله تعالى: تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ، الظاهر أنه خبر لمبتدإ محذوف وهو الضمير الراجع إلى النفس ، ولو للتمني ، وقد كثر دخوله في القرآن على أن المفتوحة المشددة ، فلا يعبأ بما قيل من عدم جوازه وتأويل ما ورد فيه ذلك من الموارد.
والأمد يفيد معنى الفاصلة الزمانية ، قال الراغب في مفردات القرآن: الأمد والأبد يتقاربان ، لكن الأبد عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حد محدود ، ولا يتقيد ، لا يقال: أبد كذا ، والأمد مدة لها حد مجهول إذا أطلق ، وقد ينحصر نحو أن يقال: أمد كذا ، كما يقال: زمان كذا ، والفرق بين الزمان والأمد ، أن الأمد يقال باعتبار الغاية ، والزمان عام في المبدإ والغاية ، ولذا قال بعضهم: الأمد والمدى يتقاربان ، انتهى.
وفي قوله: تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ، دلالة على أن حضور سيىء العمل يسوء النفس كما يشعر بالمقابلة بأن حضور خير العمل يسرها ، وإنما تود الفاصلة الزمانية بينها وبينه دون أن تود أنه لم يكن من أصله لما يشاهد من بقائه بحفظ الله فلا يسعها إلا أن تحب بعده وعدم حضوره في أشق الأحوال ، وعند أعظم الأهوال كما يقول لقرين السوء نظير ذلك ، قال تعالى:"نقيض له شيطانا فهو له قرين إلى أن قال: حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين": الزخرف - 38.
قوله تعالى: ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد ذكر التحذير ثانيا يعطي من أهمية المطلب والبلوغ في التهديد ما لا يخفى ، ويمكن أن يكون هذا التحذير الثاني ناظرا إلى عواقب المعصية في الآخرة كما هو مورد نظر هذه الآية ، والتحذير الأول ناظرا إلى وبالها في الدنيا أو في الأعم من الدنيا والآخرة.
وأما قوله: والله رءوف بالعباد فهو - على كونه حاكيا عن رأفته وحنانه تعالى المتعلق بعباده كما يحكي عن ذلك الإتيان بوصف العبودية والرقية - دليل آخر على تشديد التهديد إذ أمثال هذا التعبير في موارد التخويف والتحذير إنما يؤتى بها لتثبيت التخويف وإيجاد الإذعان بأن المتكلم ناصح لا يريد إلا الخير والصلاح ، تقول: إياك أن تتعرض لي في أمر كذا فإني آليت أن لا أسامح مع من تعرض لي فيه ، إنما أخبرك بهذا رأفة بك وشفقة.