فهرس الكتاب

الصفحة 2964 من 4314

و فيه أولا: أن النفس بالمعنى الذي تطلق عليه تعالى وعلى كل شيء هي النفس بالاستعمال الأول من الاستعمالات الثلاث التي قدمناها لا تستعمل إلا مضافة كما في الآية التي استشهد بها والتي في الآية مقطوعة عن الإضافة فهي غير مرادة بهذا المعنى في الآية قطعا فتبقى النفس بأحد المعنيين الآخرين وقد عرفت أن المعنى الثالث أيضا غير مراد فيبقى الثاني.

وثانيا: أن نفيه الموت عن الجمادات ينافي قوله تعالى:"كنتم أمواتا فأحياكم"وقوله:"أموات غير أحياء"وغير ذلك.

وثالثا: أن قوله: إن عموم الآية يبطل قول الفلاسفة في الأرواح البشرية والعقول المفارقة والنفوس الفلكية خطأ فإن هذه مسائل عقلية يرام السلوك إليها من طريق البرهان ، والبرهان حجة مفيدة لليقين فإن كانت الحجج التي أقاموها عليها كلها أو بعضها براهين كما ادعوها لم ينعقد من الآية في مقابلها ظهور والظهور حجة ظنية وكيف يتصور اجتماع العلم مع الظن بالخلاف ، وإن لم تكن براهين لم تثبت المسائل ولا حاجة معه إلى ظن بالخلاف.

ثم إن قوله:"كل نفس ذائقة الموت"كما هو تقرير وتثبيت لمضمون قوله قبلا:"و ما جعلنا لبشر من قبلك الخلد"إلخ ، كذلك توطئة وتمهيد لقوله بعد"و نبلوكم بالشر والخير فتنة"- أي ونمتحنكم بما تكرهونه من مرض وفقر ونحوه وما تريدونه من صحة وغنى ونحوهما امتحانا - كأنه قيل: نحيي كلا منكم حياة محدودة مؤجلة ونمتحنكم فيها بالشر والخير امتحانا ثم إلى ربكم ترجعون فيقضي عليكم ولكم.

وفيه إشارة إلى علة تحتم الموت لكل نفس حية ، وهي أن حياة كل نفس حياة امتحانية ابتلائية ، ومن المعلوم أن الامتحان أمر مقدمي ومن الضروري أن المقدمة لا تكون خالدة لا تنتهي إلى أمد ومن الضروري أن وراء كل مقدمة ذا مقدمة وبعد كل امتحان موقف تتعين فيه نتيجته فلكل نفس حية موت محتوم ثم لها رجوع إلى الله سبحانه لفصل القضاء.

قوله تعالى: وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أ هذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون"إن نافية والمراد بقوله:"إن يتخذونك إلا هزوا"قصر معاملتهم معه على اتخاذهم إياه هزوا أي لم يتخذوك إلا هزوا يستهزأ به."

وقوله:"أ هذا الذي يذكر آلهتكم"- والتقدير يقولون أو قائلين: أ هذا الذي إلخ - حكاية كلمة استهزائهم ، والاستهزاء في الإشارة إليه بالوصف ، ومرادهم ذكره آلهتهم بسوء ولم يصرحوا به أدبا مع آلهتهم وهو نظير قوله:"قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم"الآية: - 60 من السورة.

وقوله:"و هم بذكر الرحمن هم كافرون"في موضع الحال من ضمير"إن يتخذونك"أو من فاعل يقولون المقدر وهو أقرب ومحصله أنهم يأنفون لآلهتهم عليك إذ تقول فيها أنها لا تنفع ولا تضر - وهو كلمة حق - فلا يواجهونك إلا بالهزء والإهانة ولا يأنفون لله إذ يكفر بذكره والكافرون هم أنفسهم.

والمراد بذكر الرحمن ذكره تعالى بأنه مفيض كل رحمة ومنعم كل نعمة ولازمه كونه تعالى هو الرب الذي تجب عبادته ، وقيل: المراد بالذكر القرآن.

والمعنى: وإذا رآك الذين كفروا وهم المشركون ما يتخذونك ولا يعاملون معك إلا بالهزء والسخرية قائلين بعضهم لبعض أ هذا الذي يذكر آلهتكم أي بسوء فيأنفون لآلهتهم حيث تذكرها والحال أنهم بذكر الرحمن كافرون ولا يعدونه جرما ولا يأنفون له.

قوله تعالى:"خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون"كان المشركون على كفرهم بالدعوة النبوية يستهزءون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كلما رأوه ، وهو زيادة في الكفر والعتو ، والاستهزاء بشيء إنما يكون بالبناء على كونه هزلا غير جد فيقابل الهزل بالهزل لكنه تعالى أخذ استهزاءهم هذا أخذ جد غير هزل فكان الاستهزاء بعد الكفر تعرضا للعذاب الإلهي بعد تعرض وهو الاستعجال بالعذاب فإنهم لا يقنعون بما جاءتهم من الآيات وهم في عافية ويطلبون آيات تجازيهم بما صنعوا ، ولذلك عد سبحانه استهزاءهم بعد الكفر استعجالا برؤية الآيات وهي الآيات الملازمة للعذاب وأخبرهم أنه سيريهم إياها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت