ثم شاع استعمال لفظها في شخص الإنسان خاصة وهو الموجود المركب من روح وبدن فصار ذا معنى في نفسه وإن قطع عن الإضافة قال تعالى:"هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها"أي من شخص إنساني واحد ، وقال:"من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا:"المائدة: 32 ، أي من قتل إنسانا ومن أحيا إنسانا ، وقد اجتمع المعنيان في قوله:"كل نفس تجادل عن نفسها"فالنفس الأولى بالمعنى الثاني والثانية بالمعنى الأول.
ثم استعملوها في الروح الإنساني لما أن الحياة والعلم والقدرة التي بها قوام الإنسان قائمة بها ومنه قوله تعالى:"أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون:"الأنعام: 93.
ولم يطرد هذان الإطلاقان أعني الثاني والثالث في غير الإنسان كالنبات وسائر الحيوان إلا بحسب الاصطلاح العلمي فلا يقال للواحد من النبات والحيوان عرفا نفس ولا للمبدإ المدبر لجسمه نفس نعم ربما سميت الدم نفسا لأن للحياة توقفا عليها ومنه النفس السائلة.
وكذا لا يطلق النفس في اللغة بأحد الإطلاقين الثاني والثالث على الملك والجن وإن كان معتقدهم أن لهما حياة ، ولم يرد استعمال النفس فيهما في القرآن أيضا وإن نطقت الآيات بأن للجن تكليفا كالإنسان وموتا وحشرا قال:"و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون:"الذاريات: 56 ، وقال في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس": الأحقاف: 18 ، وقال:"و يوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس": الأنعام: 128 ، هذا ما يتحصل من معنى النفس بحسب عرف اللغة."
وأما الموت فهو فقد الحياة وآثارها من الشعور والإرادة عما من شأنه أن يتصف بها قال تعالى:"و كنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم:"البقرة: 28 ، وقال في الأصنام:"أموات غير أحياء:"النحل: 21 ، وأما أنه مفارقة النفس للبدن بانقطاع تعلقها التدبيري كما يعرفه الأبحاث العقلية أو أنه الانتقال من دار إلى دار كما في الحديث النبوي فهو معنى كشف عنه العقل أو النقل غير ما استقر عليه الاستعمال ومن المعلوم أن الموت بالمعنى الذي ذكر إنما يتصف به الإنسان المركب من الروح والبدن باعتبار بدنه فهو الذي يتصف بفقدان الحياة بعد وجدانه وأما الروح فلم يرد في كلامه تعالى ما ينطق باتصافه بالموت كما لم يرد ذلك في الملك ، وأما قوله:"كل شيء هالك إلا وجهه:"القصص: 88 ، وقوله:"و نفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض:"الزمر: 68 فسيجيء إن شاء الله أن الهلاك والصعق غير الموت وإن انطبقا عليه أحيانا.
فقد تبين مما قدمناه أولا: أن المراد بالنفس في قوله:"كل نفس ذائقة الموت"الإنسان - وهو الاستعمال الثاني من استعمالاتها الثلاث - دون الروح الإنساني إذ لم يعهد نسبة الموت إلى الروح في كلامه تعالى حتى تحمل عليه.
وثانيا: أن الآية إنما تعم الإنسان لا غير كالملك والجن وسائر الحيوان وإن كان بعضها مما يتصف بالموت كالجن والحيوان ، ومن القرينة على اختصاص الآية بالإنسان قوله قبله:"و ما جعلنا لبشر من قبلك الخلد"وقوله بعده:"و نبلوكم بالشر والخير فتنة"على ما سنوضحه.
وقد ذكر جمع منهم أن المراد بالنفس في الآية الروح ، وقد عرفت خلافه وأصر كثير منهم على عموم الآية لكل ذي حياة من الإنسان والملك والجن وسائر الحيوانات حتى النبات إن كان لها حياة حقيقة وقد عرفت ما فيه.
ومن أعجب ما قيل في تقرير عموم الآية ما ذكره الإمام الرازي في التفسير الكبير ، بعد ما قرر أن الآية عامة لكل ذي نفس: أن الآية مخصصة فإن له تعالى نفسا كما قال حكاية عن عيسى (عليه السلام) :"تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك"مع أن الموت مستحيل عليه سبحانه ، وكذا الجمادات لها نفوس وهي لا تموت.
ثم قال: والعام المخصوص حجة فيبقى معمولا به على ظاهره فيما عدا ما أخرج منه ، وذلك يبطل قول الفلاسفة في الأرواح البشرية والعقول المفارقة والنفوس الفلكية أنها لا تموت.
انتهى.