فهرس الكتاب

الصفحة 4183 من 4314

و يدفعه أن العناية الكلامية في المقام متعلقة بنفي أصل الخطاب والتكلم يومئذ من كل متكلم لا بنفي التكلم في كل أحد مع تسليم جواز أصل التكلم فالمستثنون هم المتكلمون المأذون لهم في أصل التكلم من دون تعرض لمن يتكلم فيه.

كلام فيما هو الروح في القرآن

تكررت كلمة الروح - والمتبادر منه ما هو مبدأ الحياة - في كلامه تعالى ولم يقصرها في الإنسان أو في الإنسان والحيوان فحسب بل أثبتها في غيرهما كما في قوله:"فأرسلنا إليها روحنا": مريم: 17 ، وقوله:"و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا": الشورى: 52 إلى غير ذلك فللروح مصداق في الإنسان ومصداق في غيره.

والذي يصلح أن يكون معرفا لها في كلامه تعالى ما في قوله:"يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي": إسراء: 85 حيث أطلقها إطلاقا وذكر معرفا لها أنها من أمره وقد عرف أمره بقوله:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس: 83 فبين أنه كلمة الإيجاد التي هي الوجود من حيث انتسابه إليه تعالى وقيامه به لا من حيث انتسابه إلى العلل والأسباب الظاهرية.

وبهذه العناية عد المسيح (عليه السلام) كلمة له وروحا منه إذ قال:"و كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه": النساء: 171 لما وهبه لمريم (عليها السلام) من غير الطرق العادية ويقرب منه في العناية قوله تعالى:"إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون": آل عمران: 59.

وهو تعالى وإن ذكرها في أغلب كلامه بالإضافة والتقيد كقوله:"و نفخت فيه من روحي": الحجر 29 ، وقوله:"و نفخ فيه من روحه": السجدة: 9 ، وقوله:"فأرسلنا إليها روحنا": مريم: 17 ، وقوله:"و روح منه": النساء: 171 وقوله:"و أيدناه بروح القدس": البقرة 87 إلى غير ذلك إلا أنه أوردها في بعض كلامه مطلقة من غير تقييد كقوله:"تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر": القدر: 4 وظاهر الآية أنها موجود مستقل وخلق سماوي غير الملائكة ، ونظير الآية بوجه قوله تعالى:"تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة": المعارج: 4.

وأما الروح المتعلقة بالإنسان فقد عبر عنها بمثل قوله:"و نفخت فيه من روحي""و نفخ فيه من روحه"وأتي بكلمة"من"الدالة على المبدئية وسماه نفخا وعبر عن الروح التي خصها بالمؤمنين بمثل قوله:"و أيدهم بروح منه": المجادلة: 22 فأتى بالباء الدالة على السببية وسماه تأييدا وتقوية ، وعبر عن الروح التي خصها بالأنبياء بمثل قوله:"و أيدناه بروح القدس": البقرة: 87 فأضاف الروح إلى القدس وهو النزاهة والطهارة وسماه أيضا تأييدا.

وبانضمام هذه الآيات إلى مثل آية سورة القدر يظهر أن نسبة الروح المضافة التي في هذه الآيات إلى الروح المطلقة المذكورة في سورة القدر نسبة الإفاضة إلى المفيض والظل إلى ذي الظل بإذن الله.

وكذلك الروح المتعلقة بالملائكة من إفاضات الروح بإذن الله ، وإنما لم يعبر في روح الملك بالنفخ والتأييد كالإنسان بل سماه روحا كما في قوله تعالى:"فأرسلنا إليها روحنا"، وقوله:"قل نزله روح القدس": النحل: 102 ، وقوله:"نزل به الروح الأمين": الشعراء: 193 لأن الملائكة أرواح محضة على اختلاف مراتبهم في القرب والبعد من ربهم ، وما يتراءى من الأجسام لهم تمثلات كما يشير إليه قوله تعالى:"فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا": مريم: 17 وقد تقدم الكلام في معنى التمثل في ذيل الآية بخلاف الإنسان المخلوق مؤلفا من جسم ميت وروح حية فيناسبه التعبير بالنفخ كما في قوله"فإذا سويته ونفخت فيه من روحي": الحجر: 29.

وكما أوجب اختلاف الروح في خلق الملك والإنسان اختلاف التعبير بالنفخ وعدمه كذلك اختلاف الروح من حيث أثرها وهو الحياة شرفا وخسة أوجب اختلاف التعبير بالنفخ والتأييد وعد الروح ذات مراتب مختلفة باختلاف أثر الحياة.

فمن الروح الروح المنفوخة في الإنسان قال:"و نفخت فيه من روحي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت