فهرس الكتاب

الصفحة 4182 من 4314

لكن وقوع قوله:"يوم يقوم الروح والملائكة صفا"بعد قوله:"لا يملكون منه خطابا"الظاهر في اختصاص عدم الملك بيوم الفصل مضافا إلى وقوعه في سياق تفصيل جزاء الطاغين والمتقين منه تعالى يوم الفصل يعطي أن يكون المراد به أنهم لا يملكون أن يخاطبوه فيما يقضي ويفعل بهم باعتراض عليه أو شفاعة فيهم لكن الملائكة - وهم ممن لا يملكون منه خطابا - منزهون عن وصمة الاعتراض عليه تعالى وقد قال فيهم:"عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون": الأنبياء: 27 وكذلك الروح الذي هو كلمته وقوله ، وقوله حق ، وهو تعالى الحق المبين والحق لا يعارض الحق ولا يناقضه.

ومن هنا يظهر أن المراد بالخطاب الذي لا يملكونه هو الشفاعة وما يجري مجراها من وسائل التخلص من الشر كالعدل والبيع والخلة والدعاء والسؤال قال تعالى:"من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة": البقرة: 254 ، وقال:"و لا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة": البقرة: 123 ، وقال:"يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه": هود: 105.

وبالجملة قوله:"لا يملكون منه خطابا"ضمير الفاعل في"لا يملكون"لجميع المجموعين ليوم الفصل من الملائكة والروح والإنس والجن كما هو المناسب للسياق الحاكي عن ظهور العظمة والكبرياء دون خصوص الملائكة والروح لعدم سبق الذكر ودون خصوص الطاغين كما قيل لكثرة الفصل ، والمراد بالخطاب الشفاعة وما يجري مجراها كما تقدم.

وقوله:"يوم يقوم الروح والملائكة صفا"ظرف لقوله:"لا يملكون"وقيل: لقوله:"لا يتكلمون"وهو بعيد مع صلاحية ظرفيته لما سبقه.

والمراد بالروح المخلوق الأمري الذي يشير إليه قوله تعالى:"قل الروح من أمر ربي": إسراء: 85.

وقيل: المراد به أشراف الملائكة ، وقيل حفظة الملائكة وقيل: ملك موكل على الأرواح.

ولا دليل على شيء من هذه الأقوال.

وقيل: المراد به جبريل ، وقيل: أرواح الناس وقيامها مع الملائكة صفا إنما هو بين النفختين قبل أن تلج الأجساد ، وقيل: القرآن والمراد من قيامه ظهور آثاره يومئذ من سعادة المؤمنين به وشقاوة الكافرين.

ويدفعها أن هذه الثلاثة وإن أطلق على كل منها الروح في كلامه تعالى لكنه مع التقييد كقوله:"و نفخت فيه من روحي": الحجر: 29 ، وقوله:"نزل به الروح الأمين": الشعراء: 193 ، وقوله:"قل نزله روح القدس": النحل: 102 ، وقوله:"فأرسلنا إليها روحنا": مريم: 17 ، وقوله:"و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا": الشورى: 52 والروح في الآية التي نحن فيها مطلق ، على أن في القولين الأخيرين تحكما ظاهرا.

و"صفا"حال من الروح والملائكة وهو مصدر أريد به اسم الفاعل أي حال كونهم صافين ، وربما استفيد من مقابلة الروح للملائكة أن الروح وحده صف والملائكة جميعا صف.

وقوله:"لا يتكلمون"بيان لقوله:"لا يملكون منه خطابا"وضمير الفاعل لأهل الجمع من الروح والملائكة والإنس والجن على ما يفيده السياق.

وقيل: الضمير للروح والملائكة ، وقيل: للناس ووقوع"لا يملكون"بما مر من معناه و"لا يتكلمون"في سياق واحد لا يلائم شيئا من القولين.

وقوله:"إلا من أذن له الرحمن"بدل من ضمير الفاعل في"لا يتكلمون"أريد به بيان من له أن يتكلم منهم يومئذ بإذن الله فالجملة في معنى قوله:"يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه": هود: 105 على ظاهر إطلاقه.

وقوله:"و قال صوابا"أي قال قولا صوابا لا يشوبه خطأ وهو الحق الذي لا يداخله باطل ، والجملة في الحقيقة قيد للإذن كأنه قيل: إلا من أذن له الرحمن ولا يأذن إلا لمن قال صوابا فالآية في معنى قوله تعالى:"و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف: 86.

وقيل:"إلا من أذن"إلخ استثناء ممن يتكلم فيه والمراد بالصواب التوحيد وقول لا إله إلا الله والمعنى لا يتكلمون في حق أحد إلا في حق شخص أذن له الرحمن وقال ذلك الشخص في الدنيا صوابا أي أقر بالوحدانية وشهد أن لا إله إلا الله فالآية في معنى قوله تعالى:"و لا يشفعون إلا لمن ارتضى": الأنبياء: 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت