فهرس الكتاب

الصفحة 367 من 4314

أقول: والروايات في هذا المعنى وما يقرب منه كثيرة من طرقهم ، وروي هذا المعنى أيضا في المجمع ، وفي بعض الروايات: أن السرية كانت ثمانية تاسعهم أميرهم ، وفي الدر المنثور ، أيضا: أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق يزيد بن رومان عن عروة قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عبد الله بن جحش إلى نخلة فقال له: كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش ولم يأمره بقتال ، وذلك في الشهر الحرام ، وكتب له كتابا قبل أن يعلمه أنه يسير ، فقال: اخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك وانظر فيه ، فما أمرتك به فامض له ، ولا تستكرهن أحدا من أصحابك على الذهاب معك ، فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه: أن امض حتى تنزل نخلة فتأتينا من أخبار قريش بما اتصل إليك منهم ، فقال لأصحابه حين قرأ الكتاب: سمعا وطاعة ، من كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي ، فإني ماض لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن كره ذلك منكم فليرجع فإن رسول الله قد نهاني أن أستكره منكم أحدا فمضى معه القوم ، حتى إذا كانوا بنجران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يتعقبانه فتخلفا عليه يطلبانه ، ومضى القوم حتى نزلوا نخلة ، فمر بهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان والمغيرة بن عبد الله معهم تجارة قد مروا بها من الطائف: أدم وزيت ، فلما رآهم القوم أشرف لهم واقد بن عبد الله وكان قد حلق رأسه فلما رأوه حليقا ، قال عمار: ليس عليكم منه بأس ، وائتمر القوم بهم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو آخر يوم من جمادى فقالوا: لئن قتلتموهم أنكم لتقتلونهم في الشهر الحرام ولئن تركتموهم ليدخلن في هذه الليلة مكة الحرام فليمتنعن منكم ، فأجمع القوم على قتلهم ، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله ، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان ، وهرب المغيرة فأعجزهم ، واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال لهم: والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ، فأوقف رسول الله الأسيرين والعير فلم يأخذ منها شيئا ، فلما قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما قال سقط في أيديهم وظنوا أن قد هلكوا وعنفهم إخوانهم من المسلمين ، وقالت قريش حين بلغهم أمر هؤلاء: قد سفك محمد الدم الحرام وأخذ المال ، وأسر الرجال واستحل الشهر الحرام ، فأنزل الله في ذلك: يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية ، فلما نزل ذلك أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) العير وفدى الأسيرين فقال المسلمون: يا رسول الله! أ تطمع أن يكون لنا غزوة؟ فأنزل الله: إن الذين آمنوا والذين هاجروا - وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله ، وكانوا ثمانية وأميرهم التاسع عبد الله بن جحش.

أقول: وفي كون قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هاجروا الآية ، نازلة في أمر أصحاب عبد الله بن جحش روايات أخر ، والآية تدل على عذر من فعل فعلا قربيا فأخطأ الواقع فلا ذنب مع الخطاء ، وتدل أيضا على جواز تعلق المغفرة بغير مورد الذنب.

وفي الروايات إشارة إلى أن المراد بالسائلين في قوله تعالى يسئلونك ، هم المؤمنون دون المشركين الطاعنين في فعل المؤمنين ، ويؤيده أيضا ما مر من رواية ابن عباس في البحث الروائي السابق: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب محمد ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كلهن في القرآن: منهن يسألونك عن الخمر والميسر ، ويسألونك عن الشهر الحرام الرواية ، ويؤيد ذلك أن الخطاب في الآية إنما هو للمؤمنين حيث يقول تعالى: ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت