و في قوله: بصير بالعباد حيث أخذ عنوان العبودية ولم يقل: بصير بهم أو بصير بالناس ونحو ذلك إشعار بأن حكمه نافذ فيهم ماض عليهم فإنهم عباده ومربوبون له أسلموا أو تولوا.
قوله تعالى: إن الذين يكفرون بآيات الله إلى آخر الآية ، الكلام في الآية وإن كان مسوقا سوق الاستيناف لكنه مع ذلك لا يخلو عن إشعار وبيان للتهديد الذي يشعر به آخر الآية السابقة فإن مضمونها منطبق على أهل الكتاب وخاصة اليهود.
وقوله: يكفرون ، ويقتلون ، في موضعين للاستمرار ويدلان على كون الكفر بآيات الله وهو الكفر بعد البيان بغيا ، وقتل الأنبياء وهو قتل من غير حق ، وقتل الذين يدعون إلى القسط والعدل وينهون عن الظلم والبغي دأبا وعادة جارية فيما بينهم كما يشتمل عليه تاريخ اليهود ، فقد قتلوا جمعا كثيرا وجما غفيرا من أنبيائهم وعبادهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وكذا النصارى جروا مجراهم.
وقوله: فبشرهم بعذاب أليم تصريح بشمول الغضب ونزول السخط ، وليس هو العذاب الأخروي فحسب بدليل قوله تعالى عقيب الآية: أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة"الخ"فهم مبشرون بالعذاب الدنيوي والأخروي معا ، أما الأخروي فأليم عذاب النار ، وأما الدنيوي فهو ما لقوه من التقتيل والإجلاء وذهاب الأموال والأنفس ، وما سخط الله عليهم بإلقاء العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة على ما تصرح به آيات الكتاب العزيز.
وفي قوله تعالى: أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ، دلالة أولا: على حبط عمل من قتل رجلا من جهة أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر.
وثانيا على عدم شمول الشفاعة له يوم القيامة لقوله: وما لهم من ناصرين.
قوله تعالى: أ لم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب إلى آخر الآية يومىء إلى تسجيل البغي على أهل الكتاب حسب ما نسبه الله تعالى إليهم وأنهم يبغون باتخاذ الخلاف وإيجاد اختلاف الكلمة في الدين فإنها إذا دعوا إلى حكم الكتاب كتاب الله بينهم لم يسلموا له وتولوا وأعرضوا عنه وليس ذلك إلا باغترارهم بقولهم لن تمسنا"الخ"وبما افتروه على الله في دينهم.
والمراد بالذين أوتوا نصيبا من الكتاب أهل الكتاب وإنما لم يقل: أوتوا الكتاب ، وقيل: أوتوا نصيبا من الكتاب ليدل على أن الذي في أيديهم من الكتاب ليس إلا نصيبا منه دون جميعه لأن تحريفهم له وتغييرهم وتصرفهم في كتاب الله أذهب كثيرا من أجزائه كما يومىء إليه قوله في آخر الآية التالية: وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ، وكيف كان فالمراد - والله أعلم - أنهم يتولون عن حكم كتاب الله اعتزازا بما قالوا واغترارا بما وضعوه من عند أنفسهم واستغناء به عن الكتاب.
قوله تعالى: ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار"الخ"معناه واضح ، واغترارهم بفريتهم التي افترتها أنفسهم مع أن الإنسان لا ينخدع عن نفسه مع العلم بأنها خدعة باطلة إنما هو لكون المغرورين غير المفترين ، وعلى هذا فنسبة الافتراء الذي توسل إليها سابقوهم إلى هؤلاء المغرورين من اللاحقين لكونهم أمة واحدة يرضى بعضهم بفعال بعض.
وإما لأن الاغترار بغرور النفس والغرور بالفرية الباطلة مع العلم بكونها فرية باطلة وذكر المغرور أنه هو الذي افترى ما يغتر به من الفرية ليس من أهل الكتاب ومن اليهود خاصة ببعيد وقد حكى الله عنهم مثله بل ما هو أعجب من ذلك حيث قال تعالى:"و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلى بعضهم إلى بعض قالوا أ تحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أ فلا تعقلون أ ولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون": البقرة - 77.
على أن الإنسان يجري في أعماله وأفعاله على ما تحصل عنده من الأحوال أو الملكات النفسانية ، والصور التي زينتها ونمقتها له نفسه دون الذي حصل له العلم به كما أن المعتاد باستعمال المضرات كالبنج والدخان وأكل التراب ونحوها يستعملها وهو يعلم أنها مضرة ، وأن استعمال المضر مما لا ينبغي إلا أن الهيئة الحاصلة في نفسه ملذة له جاذبة إياه إلى الاستعمال لا تدع له مجالا للتفكر والاجتناب ، ونظائر ذلك كثيرة.