فهرس الكتاب

الصفحة 3830 من 4314

و اعلم أن ما في قوله:"أ يحب أحدكم أن يأكل"إلخ ، من التعليل جار في التجسس أيضا كالغيبة ، وإنما الفرق أن الغيبة هو إظهار عيب الغير للغير أو التوصل إلى الظهور عليه من طريق نقل الغير ، والتجسس هو التوصل إلى العلم بعيب الغير من طريق تتبع آثاره ولذلك لم يبعد أن يكون الجملة أعني قوله:"أ يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا"إلخ ، تعليلا لكل من الجملتين أعني"و لا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا".

واعلم أن في الكلام إشعارا أو دلالة على اقتصار الحرمة في غيبة المسلمين ، ومن القرينة عليه قوله في التعليل:"لحم أخيه"فالأخوة إنما هي بين المؤمنين.

وقوله:"و اتقوا الله إن الله تواب رحيم"ظاهره أنه عطف على قوله:"اجتنبوا كثيرا من الظن"إن كان المراد بالتقوى هو التجنب عن هذه الذنوب التي كانوا يقترفونها بالتوبة إلى الله سبحانه فالمراد بقوله:"إن الله تواب رحيم"أن الله كثير القبول للتوبة رحيم بعباده التائبين إليه اللائذين به.

وإن كان هو التجنب عنها والتورع فيها وإن لم يكونوا يقترفونها فالمراد بقوله:"إن الله تواب رحيم"أن الله كثير الرجوع إلى عباده المتقين بالهداية والتوفيق والحفظ عن الوقوع في مهالك الشقوة رحيم بهم.

وذلك أن التوبة من الله توبتان: توبة قبل توبة العبد بالرجوع إليه بالتوفيق للتوبة كما قال تعالى:"ثم تاب عليهم ليتوبوا": التوبة: 118 ، وتوبة بعد توبة العبد بالرجوع إليه بالمغفرة وقبول التوبة كما في قوله:"فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه": المائدة: 39.

قوله تعالى:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"إلخ ، الشعوب جمع شعب بالكسر فالسكون وهو على ما في المجمع الحي العظيم من الناس كربيعة ومضر ، والقبائل جمع قبيلة وهي دون الشعب كتميم من مضر.

وقيل: الشعوب دون القبائل وسميت بها لتشعبها ، قال الراغب: الشعب القبيلة المنشعبة من حي واحد ، وجمعه شعوب ، قال تعالى:"شعوبا وقبائل"والشعب من الوادي ما اجتمع منه طرف وتفرق طرف فإذا نظرت إليه من الجانب الذي تفرق أخذت في وهمك واحدا يتفرق ، وإذا نظرت من جانب الاجتماع أخذت في وهمك اثنين اجتمعا فلذلك قيل: شعبت إذا جمعت ، وشعبت إذا فرقت.

انتهى.

وقيل: الشعوب العجم والقبائل العرب ، والظاهر أن مآله إلى أحد القولين السابقين ، وسيجيء تمام الكلام فيه.

ذكر المفسرون أن الآية مسوقة لنفي التفاخر بالأنساب ، وعليه فالمراد بقوله:"من ذكر وأنثى"آدم وحواء ، والمعنى: أنا خلقناكم من أب وأم تشتركون جميعا فيهما من غير فرق بين الأبيض والأسود والعربي والعجمي وجعلناكم شعوبا وقبائل مختلفة لا لكرامة لبعضكم على بعض بل لأن تتعارفوا فيعرف بعضكم بعضا ويتم بذلك أمرا اجتماعكم فيستقيم مواصلاتكم ومعاملاتكم فلو فرض ارتفاع المعرفة من بين أفراد المجتمع انفصم عقد الاجتماع وبادت الإنسانية فهذا هو الغرض من جعل الشعوب والقبائل لا أن تتفاخروا بالأنساب وتتباهوا بالآباء والأمهات.

وقيل: المراد بالذكر والأنثى مطلق الرجل والمرأة ، والآية مسوقة لإلغاء مطلق التفاضل بالطبقات كالأبيض والأسود والعرب والعجم والغني والفقير والمولى والعبد والرجل والمرأة ، والمعنى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من رجل وامرأة فكل واحد منكم إنسان مولود من إنسانين لا تفترقون من هذه الجهة ، والاختلاف الحاصل بالشعوب والقبائل - وهو اختلاف راجع إلى الجعل الإلهي - ليس لكرامة وفضيلة وإنما هو لأن تتعارفوا فيتم بذلك اجتماعكم.

واعترض عليه بأن الآية مسوقة لنفي التفاخر بالأنساب وذمه كما يدل عليه قوله:"و جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا"وترتب هذا الغرض على هذا الوجه غير ظاهر ، ويمكن أن يناقش فيه أن الاختلاف في الأنساب من مصاديق الاختلاف الطبقاتي وبناء هذا الوجه على كون الآية مسوقة لنفي مطلق الاختلاف الطبقاتي وكما يمكن نفي التفاخر بالأنساب وذمه استنادا إلى أن الأنساب تنتهي إلى آدم وحواء والناس جميعا مشتركون فيهما ، كذلك يمكن نفيه وذمه استنادا إلى أن كل إنسان مولود من إنسانين والناس جميعا مشتركون في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت