فهرس الكتاب

الصفحة 2637 من 4314

و قوله:"هؤلاء وهؤلاء"أي هؤلاء المعجل لهم وهؤلاء المشكور سعيهم بما أن لكل منهما نعته الخاص به ، ويئول المعنى إلى أن كلا من الفريقين تحت التربية الإلهية يفيض عليهم من عطائه من غير فرق غير أن أحدهما يستعمل النعمة الإلهية لابتغاء الآخرة فيشكر الله سعيه ، والآخر يستعملها لابتغاء العاجلة وينسى الآخرة فلا يبقى له فيها إلا الشقاء والخيبة.

وقوله:"من عطاء ربك"فإن جميع ما يستفيدون منه في أعمالهم كما تقدم لا صنع لهم ولا لغيرهم من المخلوقين فيه بل الله سبحانه هو الموجد لها ومالكها فهي من عطائه.

ويستفاد من هذا القيد وجه ما ذكر لكل من الفريقين من الجزاء فإن أعمالهم لما كانت بإمداده تعالى من خالص عطائه فحقيق على من يستعمل نعمته في الكفر والفسوق أن يصلى النار مذموما مدحورا ، وعلى من يستعملها في الإيمان به وطاعته أن يشكر سعيه.

وفي قوله:"ربك"التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة وقد كرر ذلك مرتين والظاهر أن النكتة فيه الإشارة إلى أن إمدادهم من شئون صفة الربوبية والله سبحانه هو الرب لا رب غيره غير أن الوثنيين يتخذون من دونه أربابا ولذلك نسب ربوبيته إلى نبيه فقال:"ربك".

وقوله:"و ما كان عطاء ربك محظورا"أي ممنوعا والحظر المنع فأهل الدنيا وأهل الآخرة مستمدون من عطائه منعمون بنعمته ممنونون بمنته.

وفي الآية دلالة على أن العطاء الإلهي مطلق غير محدود بحد لمكان إطلاق العطاء ونفي الحظر في الآية فما يوجد من التحديد والتقدير والمنع باختلاف الموارد فإنما هو من ناحية المستفيض وخصوص استعداده للاستفاضة أو فقدانه من رأس لا من ناحية المفيض.

ومن عجيب ما قيل في الآية ما نسب إلى الحسن وقتادة أن المراد بالعطاء العطاء الدنيوي فهو المشترك بين المؤمن والكافر وأما العطاء الأخروي فللمؤمنين خاصة ، والمعنى كما قيل: كل الفريقين نمد بالعطايا العاجلة لا الفريق الأول المريد للعاجلة فقط وما كان عطاؤه الدنيوي محظورا من أحد.

وفيه أنه تقييد من غير مقيد مع صلاحية المورد للإطلاق وأما ما ذكر من اختصاص العطاء الأخروي بالمؤمنين من غير مشاركة الكفار لهم فيه فخارج من مصب الكلام في الآية فإن الكلام في الإمداد الذي يمد به الأعمال المنتهية إلى الجزاء لا في الجزاء ، وعطايا المؤمنين في الآخرة من الجزاء لا من قبيل الأعمال ، ونفس ما يمد به أعمال الفريقين عطايا دنيوية وأخروية على أن العطايا الأخروية أيضا مشتركة غير محظورة والحظر فيها من قبل الكافرين كما أن الأمر في العطايا الدنيوية أيضا كذلك فربما يمنع لكن لا من قبل محدودية العطاء بل من قبل عدم صلاحية القابل.

وقال في روح المعاني ،: إن التقسيم الذي تضمنته الآية غير حاصر وذلك غير مضر ، والتقسيم الحاصر أن كل فاعل إما أن يريد بفعله العاجلة فقط أو يريد الآخرة فقط أو يريدهما معا أو لم يرد شيئا والقسمان الأولان قد علم حكمهما من الآية ، والقسم الثالث ينقسم إلى ثلاثة أقسام لأنه إما أن تكون إرادة الآخرة أرجح أو تكون مرجوحة أو تكون الإرادتان متعادلتين.

ثم أطال البحث فيما تكون فيه إرادة الآخرة أرجح ونقل اختلاف العلماء في قبول هذا النوع من العمل ، ونقل اتفاقهم على عدم قبول ما يترجح فيه باعث الدنيا أو كان الباعثان فيه متساويين.

قال: وأما القسم الرابع عند القائلين بأن صدور الفعل من القادر يتوقف على حصول الداعي فهو ممتنع الحصول والذين قالوا: إنه لا يتوقف ، قالوا ذلك الفعل لا أثر له في الباطن وهو محرم في الظاهر.

انتهى وقد سبقه إلى هذا التقسيم والبحث غيره.

وأنت خبير بأن الآيات الكريمة ليست في مقام بيان حكم الرد والقبول بالنسبة إلى كل عمل صدر عن عامل بل هي تأخذ غاية الإنسان وتعينها بحسب نشاة حياته مرة متعلقة بالحياة العاجلة ولازمه أن لا يريد بأعماله إلا مزايا الحياة الدنيوية المادية ويعرض عن الأخرى ، ومرة متعلقة بالحياة الآخرة ولازمه أن يرى لنفسه حياة خالدة دائمة ، بعضها وهي الحياة الدنيا مقدمة للبعض الآخر وهي الحياة بعد الموت وأعماله في الدنيا مقصودة بها سعادة الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت