فهرس الكتاب

الصفحة 2636 من 4314

قوله تعالى:"و من أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا"قال الراغب: السعي المشي السريع وهو دون العدو ، ويستعمل للجد في الأمر خيرا كان أو شرا ، انتهى موضع الحاجة.

وقوله:"من أراد الآخرة"أي الحياة الآخرة نظير ما تقدم من قوله:"من كان يريد العاجلة"والكلام في قول من قال: يعني من أراد بعمله الآخرة نظير الكلام في مثله في الآية السابقة.

وقوله"و سعى لها سعيها"اللام للاختصاص وكذا إضافة السعي إلى ضمير الآخرة ، والمعنى وسعى وجد للآخرة السعي الذي يختص بها ، ويستفاد منه أن سعيه لها يجب أن يكون سعيا يليق بها ويحق لها كأن يكون يبذل كمال الجهد في حسن العمل وأخذه من عقل قطعي أو حجة شرعية.

وقوله:"و هو مؤمن"أي مؤمن بالله ويستلزم ذلك توحيده والإذعان بالنبوة والمعاد فإن من لا يعترف بإحدى الخصال الثلاث لا يعده الله سبحانه في كلامه مؤمنا به وقد تكاثرت الآيات فيه.

على أن نفس التقييد بقوله:"و هو مؤمن"يكفي في التقييد المذكور فإن من أراد الآخرة وسعى لها سعيها فهو مؤمن بالله وبنشأة وراء هذه النشأة الدنيوية قطعا فلو لا أن التقييد بالإيمان لإفادة وجوب كون الإيمان صحيحا ومن صحته أن يصاحب التوحيد والإذعان بالنبوة لم يكن للتقييد وجه فمجرد التقييد بالإيمان يكفي مئونة الاستعانة بآيات أخر.

وقوله:"فأولئك كان سعيهم مشكورا"أي يشكره الله بحسن قبوله والثناء على ساعيه ، وشكره تعالى على عمل العبد تفضل منه على تفضل فإن أصل إثابته العبد على عمله تفضل لأن من وظيفة العبد أن يعبد مولاه من غير وجوب الجزاء عليه فالإثابة تفضل ، والثناء عليه بعد الإثابة تفضل على تفضل والله ذو الفضل العظيم.

وفي الآيتين دلالة على أن الأسباب الأخروية وهي الأعمال لا تتخلف عن غاياتها بخلاف الأسباب الدنيوية فإنه سبحانه يقول فيمن عمل للآخرة:"فأولئك كان سعيهم مشكورا"ويقول فيمن عمل للدنيا:"عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد".

قوله تعالى:"كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا"قال في المفردات ، أصل المد الجر ومنه المدة للوقت الممتد ومدة الجرح ومد النهر ومده نهر آخر ومددت عيني إلى كذا قال تعالى:"و لا تمدن عينيك"الآية ومددته في غيه... وأمددت الجيش بمدد والإنسان بطعام قال: وأكثر ما جاء الإمداد في المحبوب والمد في المكروه نحو"و أمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون""و نمد له من العذاب مدا""و يمدهم في طغيانهم""و إخوانهم يمدونهم في الغي"انتهى بتلخيص منا.

فإمداد الشيء ومده أن يضاف إليه من نوعه مثلا ما يمتد به بقاؤه ويدوم به وجوده ولو لا ذلك لانقطع كالعين من الماء التي تستمد من المنبع ويضاف إليها منه الماء حينا بعد حين ويمتد بذلك جريانها.

والله سبحانه يمد الإنسان في أعماله سواء كان ممن يريد العاجلة أو الآخرة فإن جميع ما يتوقف عليه العمل في تحققه من العلم والإرادة والأدوات البدنية والقوى العمالة والمواد الخارجية التي يقع عليها العمل ويتصرف فيها العامل والأسباب والشرائط المربوطة بها كل ذلك أمور تكوينية لا صنع للإنسان فيها ولو فقد كلها أو بعضها لم يكن العمل ، والله سبحانه هو الذي يفيضها بفضله ويمد الإنسان بها بعطائه ، ولو انقطع منه العطاء انقطع من العامل عمله.

فأهل الدنيا في دنياهم وأهل الآخرة في آخرتهم يستمدون من عطائه تعالى ولا يعود إليه سبحانه في عطائه إلا الحمد لأن الذي يعطيه نعمة على الإنسان أن يستعمله استعمالا حسنا في موضع يرتضيه ربه ، وأما إذا فسق بعدم استعماله فيه وحرف الكلمة عن موضعها فلا يلومن إلا نفسه وعلى الله الثناء على جميل صنعه وله الحجة البالغة.

فقوله:"كلا نمد"أي كلا من الفريقين المعجل لهم والمشكور سعيهم نمد ، وإنما قدم المفعول على فعله لتعلق العناية به في الكلام فإن المقصود بيان عموم الإمداد للفريقين جميعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت