فهرس الكتاب

الصفحة 2635 من 4314

قال: وقال الخليل: صلي الكافر النار قاسى حرها"يصلونها فبئس المصير"وقيل: صلي النار دخل فيها ، وأصلاها غيره قال:"فسوف نصليه نارا"انتهى.

وفي المجمع ،: الدحر الإبعاد والمدحور المبعد المطرود يقال: اللهم أدحر عنا الشيطان أي أبعده انتهى.

لما ذكر سبحانه سنته في التعذيب الدنيوي إثر دعوة الرسالة وأنه يهدي الأمم الإنسانية إلى الإيمان والعمل الصالح حتى إذا فسدوا وأفسدوا بعث إليهم رسولا فإذا طغوا وفسقوا عذبهم عذاب الاستئصال ، عاد إلى بيان سنته في التعذيب الأخروي والإثابة فيها في هذه الآية والآيتين بعدها يذكر في آية ملاك عذاب الآخرة ، وفي آية ملاك ثوابها ، وفي آية محصل القول والأصل الكلي في ذلك.

فقوله:"من كان يريد العاجلة"أي الذي يريد الحياة العاجلة وهي الحياة الدنيا ، وإرادة الحياة الدنيا إنما هي طلب ما فيها من المتاع الذي تلتذ به النفس ويتعلق به القلب ، والتعلق بالعاجلة وطلبها إنما يعد طلبا لها إذا كانت مقصودة بالاستقلال لا لأجل التوسل بها إلى سعادة الأخرى وإلا كانت إرادة للآخرة فإن الآخرة لا يسلك إليها إلا من طريق الدنيا فلا يكون الإنسان مريدا للدنيا إلا إذا أعرض عن الآخرة ونسيها فتمحضت إرادته في الدنيا ، ويدل عليه أيضا خصوص التعبير في الآية"من كان يريد"حيث يدل على استمرار الإرادة.

وهذا هو الذي لا يرى لنفسه إلا هذه الحياة المادية الدنيوية وينكر الحياة الآخرة ، ويلغو بذلك القول بالنبوة والتوحيد إذ لا أثر للإيمان بالله ورسله والتدين بالدين لو لا الاعتقاد بالمعاد ، قال تعالى:"فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله": النجم: 30.

وقوله:"عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد"أي أسرعنا في إعطائه ما يريده في الدنيا لكن لا بإعطائه ما يريده بل بإعطائه ما نريده فالأمر إلينا لا إليه والأثر لإرادتنا لا لإرادته ، ولا بإعطاء ما نعطيه لكل من يريد بل لمن نريد فليس يحكم فينا إرادة الأشخاص بل إرادتنا هي التي تحكم فيهم.

وإرادته سبحانه الفعلية لشيء هو اجتماع الأسباب على كينونته وتحقق العلة التامة لظهوره فالآية تدل على أن الإنسان وهو يريد الدنيا يرزق منها على حسب ما يسمح له الأسباب والعوامل التي أجراها الله في الكون وقدر لها من الآثار فهو ينال شيئا مما يريده ويسأله بلسان تكوينه لكن ليس له إلا ما يهدي إليه الأسباب والله من ورائهم محيط.

وقد ذكر الله سبحانه هذه الحقيقة بلسان آخر في قوله:"و لو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحيوة الدنيا": الزخرف: 35 أي لو لا أن الناس جميعا يعيشون على نسق واحد تحت قانون الأسباب والعلل ، ولا فرق بين الكافر والمؤمن قبال العلل الكونية بل من صادفته أسباب الغنى والثروة أثرته وأغنته مؤمنا كان أم كافرا ، ومن كان بالخلاف ، فبالخلاف خصصنا الكفار بمزيد النعم الدنيوية إذ ليس لها عندنا قدر ولا في سوق الآخرة من قيمة.

وذكر بعضهم: أن المراد بإرادة العاجلة إرادتها بعمله وهو أن يريد بعمله الدنيا دون الآخرة فهو محروم من الآخرة ، وهو تقييد من غير مقيد ، ولعله أخذه من قوله تعالى:"من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار": هود: 16 لكن الآيتين مختلفتان غرضا فالغرض فيما نحن فيه بيان أن مريد الدنيا لا ينال إلا منها ، والغرض من آية سورة هود أن الإنسان لا ينال إلا عمله فإذا كان مريدا للدنيا وفي إليه عمله فيها وبين الغرضين فرق واضح فافهم ذلك.

وقوله:"ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا"أي وجعلنا جزاءه في الآخرة جهنم يقاسي حرها وهو مذموم مبعد من الرحمة والقيدان يفيدان أنه مخصوص بجهنم محروم من المغفرة والرحمة.

والآية وإن كانت تبين حال من تعلق بالدنيا ونسي الآخرة وأنكرها غير أن الطلب والإنكار مختلفان بالمراتب فمن ذلك ما هو كذلك قولا وفعلا ومنه ما هو كذلك فعلا مع الاعتراف به قولا ، وتصديق ذلك قوله تعالى فيما سيأتي:"و للآخرة أكبر درجات"الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت