فهرس الكتاب

الصفحة 2634 من 4314

فإن قلت: هلا زعمت أن معناه أمرناهم بالطاعة ففسقوا قلت لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه؟ وذلك أن المأمور به إنما حذف لأن فسقوا يدل عليه وهو كلام مستفيض يقال: أمرته فقام وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة ولو ذهبت تقدر غيره لزمت من مخاطبك علم الغيب.

ولا يلزم على هذا قولهم: أمرته فعصاني أو فلم يمتثل أمري لأن ذلك مناف للأمر مناقض له ، ولا يكون ما يناقض الأمر مأمورا به فكان محالا أن يقصد أصلا حتى يجعل دالا على المأمور به فكان المأمور به في هذا الكلام غير مدلول عليه ولا منوي لأن من يتكلم بهذا الكلام فإنه لا ينوي لأمره مأمورا به كأنه يقول: كان مني أمر فلم يكن منه طاعة كما أن من يقول: فلان يعطي ويمنع ويأمر وينهى غير قاصد إلى مفعول.

فإن قلت: هلا كان ثبوت العلم بأن الله لا يأمر بالفحشاء وإنما يأمر بالقصد والخير دليلا على أن المراد أمرناهم بالخير ففسقوا؟.

قلت: لا يصح ذلك لأن قوله: ففسقوا يدافعه فكأنك أظهرت شيئا وأنت تدعي إضمار خلافه فكان صرف اللفظ إلى المجاز هو الوجه.

انتهى.

وهو كلام حسن في تقريب ظهور قوله:"أمرنا مترفيها ففسقوا فيها"في كون المأمور به هو الفسق وأما كونه صريحا فيه بحيث لا يحتمل إلا ذلك كما يدعيه فلا ، فلم لا يجوز أن تكون الآية من قبيل قولنا: أمرته فعصاني حيث تكون المعصية وهي منافية للأمر قرينة على كون المأمور به هو الطاعة والفسق والمعصية واحد فإن الفسق هو الخروج عن زي العبودية والطاعة فهو المعصية ويكون المعنى حينئذ أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا عن أمرنا وعصوه ، أو يكون الأمر في الآية مستعملا استعمال اللازم ، والمعنى توجه أمرنا إلى مترفيها ففسقوا فيها عنه.

فالحق أن الوجهين لا بأس بكل منهما وإن كان الثاني لا يخلو من ظهور وقد أجيب عن اختصاص الأمر بالمترفين بأنهم الرؤساء السادة والأئمة المتبوعون وغيرهم أتباعهم وحكم التابع تابع لحكم المتبوع ولا يخلو من سقم.

وذكر بعضهم في توجيه الآية أن قوله:"أمرنا مترفيها"إلخ صفة لقرية وليس جوابا لإذا وجواب إذا محذوف على حد قوله: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها إلى آخر الآية للاستغناء عنه بدلالة الكلام.

وذكر آخرون أن في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير وإذا أمرنا مترفي قرية ففسقوا فيها أردنا أن نهلكها ، وذلك أنه لا معنى لإرادة الهلاك قبل تحقق سببه وهو الفسق ، وهو وجه سخيف كسابقه.

هذا كله على القراءة المعروفة"أمرنا"بفتح الهمزة ثم الميم مخففة من الأمر بمعنى الطلب ، وربما أخذ من الأمر بمعنى الإكثار أي أكثرنا مترفيها مالا وولدا ففسقوا فيها.

وقرىء"آمرنا"بالمد ونسب إلى علي (عليه السلام) وإلى عاصم وابن كثير ونافع وغيرهم وهو من الإيمان بمعنى إكثار المال والنسل أو بمعنى تكليف إنشاء فعل ، وقرىء أيضا"أمرنا"بتشديد الميم من التأمير بمعنى تولية الإمارة ونسب ذلك إلى علي والحسن والباقر (عليهما السلام) وإلى ابن عباس وزيد بن علي وغيرهم.

قوله تعالى:"و كم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا"قال في المفردات: القرن القوم المقترنون في زمن واحد وجمعه قرون قال:"و لقد أهلكنا القرون من قبلكم""و كم أهلكنا من القرون"انتهى ومعنى الآية ظاهر ، وفيها تثبيت ما ذكر في الآية السابقة من سنة الله الجارية في إهلاك القرى بالإشارة إلى القرون الماضية الهالكة.

والآية لا تخلو من إشعار بأن سنة الإهلاك إنما شرعت في القرون الإنسانية بعد نوح (عليه السلام) وهو كذلك ، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى:"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين": البقرة - 213 في الجزء الثاني من الكتاب أن المجتمع الإنساني قبل زمن نوح (عليه السلام) كانوا على سذاجة الفطرة ثم اختلفوا بعد ذلك.

قوله تعالى:"من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا"العاجلة صفة محذوفة الموصوف ولعل موصوفها الحياة بقرينة مقابلتها للآخرة في الآية التالية وهي الحياة الآخرة ، وقيل: المراد النعم العاجلة وقيل: الأعراض الدنيوية العاجلة.

وفي المفردات ،: أصل الصلى لإيقاد النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت