فهرس الكتاب

الصفحة 3164 من 4314

و في الآية إشارة إلى قصة قتله (عليه السلام) ، وكونه ذنبا لهم عليه إنما هو بالبناء على اعتقادهم أو الاعتبار بمعناه اللغوي المذكور آنفا ، وأما كونه ذنبا بمعنى معصية الله تعالى فلا دليل عليه وسيوافيك فيه كلام عند تفسير سورة القصص إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى:"قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون"كلا للردع وهو متعلق بما ذكره من خوف القتل ، ففيه تأمين له وتطييب لنفسه أنهم لا يصلون إليه ، وأما سؤاله الإرسال إلى هارون فلم يذكر ما أجيب به عنه ، غير أن قوله:"فاذهبا بآياتنا"دليل على إجابة مسئوله.

وقوله:"فاذهبا بآياتنا"متفرع على الردع فيفيد أن اذهبا إليه بآياتنا ولا تخافا ، وقد علل ذلك بقوله:"إنا معكم مستمعون"والمراد بضمير الجمع موسى وهارون والقوم الذين أرسلا إليهم ولا يعبأ بقول من قال: إن المراد به موسى وهارون بناء على كون أقل الجمع اثنين فإنه مع فساده في أصله لا تساعد عليه ضمائر التثنية قبله وبعده كما قيل.

والاستماع هو الإصغاء إلى الكلام والحديث وهو كناية عن الحضور وكمال العناية بما يجري بينهما وبين فرعون وقومه عند تبليغ الرسالة كما قال في القصة من سورة طه:"لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى": طه: 46.

ومحصل المعنى: كلا لا يقدرون على قتلك فاذهبا إليهم بآياتنا ولا تخافا إنا حاضرون عندكم شاهدون عليكم معتنون بما يجري بينكم.

قوله تعالى:"فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني إسرائيل"بيان لقوله في الآية السابقة:"فاذهبا بآياتنا."

وقوله:"فقولا إنا رسول رب العالمين"تفريع على إتيان فرعون ، والتعبير بالرسول بلفظ المفرد إما باعتبار كل واحد منهما أو باعتبار كون رسالتها واحدة وهي قولهما:"أن أرسل"إلخ ، أو باعتبار أن الرسول مصدر في الأصل فالأصل أن يستوي فيه الواحد والجمع ، والتقدير إنا ذوا رسول رب العالمين أي ذوا رسالته كما قيل.

وقوله:"أن أرسل معنا بني إسرائيل"تفسير للرسالة المفهومة من السياق والمراد بإرسالهم إطلاقهم لكن لما كان المطلوب أن يعودوا إلى الأرض المقدسة التي كتب الله لهم وهي أرض آبائهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهما السلام) سمي إطلاقهم ليعودوا إليها إرسالا منه لهم إليها.

قوله تعالى:"قال أ لم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين"الاستفهام للإنكار التوبيخي ، و"نربك"من التربية ، والوليد الصبي.

لما أقبل فرعون على موسى وهارون وسمع كلامهما عرف موسى وخصه بالخطاب قائلا أ لم نربك إلخ ومراده الاعتراض عليه أولا من جهة دعواه الرسالة يقول: أنت الذي ربيناك وأنت وليد ولبثت فينا من عمرك سنين عديدة نعرفك باسمك ونعتك ولم ننس شيئا من أحوالك فمن أين لك هذه الرسالة وأنت من نعرفك ولا نجهل أصلك؟ قوله تعالى:"و فعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين"الفعلة بفتح الفاء بناء مرة من الفعل ، وتوصيف الفعلة بقوله:"التي فعلت"للدلالة على عظم خطره وكثرة شناعته وفظاعته نظير ما في قوله:"فغشيهم من اليم ما غشيهم": طه: 78 ، ومراده بهذه الفعلة قتله (عليه السلام) القبطي.

وقوله:"و أنت من الكافرين"ظاهر السياق على ما سيأتي الإشارة إليه أن مراده بالكفر كفران النعمة وأن قتله القبطي وإفساده في أرضه كفران لنعمته عليه بالخصوص بما له عنده من الصنيعة حيث كف عن قتله كسائر المواليد من بني إسرائيل ورباه في بيته بل لأنه من بني إسرائيل وهو يراهم عبيدا لنفسه ويرى نفسه ربا منعما عليهم فقتل الواحد منهم رجلا من قومه وإفساده في الأرض خروج من طور العبودية وكفر بنعمته.

فمحصل اعتراضه المشار إليه في الآيتين أنك الذي ربيناك صبيا صغيرا ولبثت فينا من عمرك سنين ، وأفسدت في الأرض بقتل النفس فكفرت بنعمتي وأنت من عبيدي الإسرائيليين فمن أين جاءتك هذه الرسالة؟ وكيف تكون رسولا وأنت هذا الذي نعرفك؟.

وبذلك يظهر عدم استقامة تفسير بعضهم الكفر بالكفر المقابل للإيمان ، وأن المعنى وأنت من الكافرين بألوهيتي أو أنت من الكافرين بالله على زعمك حيث خالطتنا سنين وأنت في ملتنا ، وكذا قول بعضهم: إن المراد وأنت من الكافرين بنعمتي عليك خاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت