فهرس الكتاب

الصفحة 3165 من 4314

قوله تعالى:"قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل"ضمير"فعلتها"راجع إلى الفعلة والظاهر أن"إذا"مقطوع عن الجواب والجزاء ويفيد معنى حينئذ كما قيل ، وعبده تعبيدا وأعبده إعبادا إذا اتخذه عبدا لنفسه.

والآيات الثلاث جواب موسى (عليه السلام) عما اعترض به فرعون ، والتطبيق بين جوابه (عليه السلام) وما اعترض به فرعون يعطي أنه (عليه السلام) حلل كلام فرعون إلى القدح في دعواه الرسالة من ثلاثة أوجه: أحدها استغراب رسالته واستبعادها وهو الذي يعلم حاله وقد أشار إليه بقوله:"أ لم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين"والثاني استقباح فعلته ورميه بالإفساد والجرم بقوله:"و فعلت فعلتك التي فعلت"والثالث المن عليه بأنه من عبيده ويستفاد ذلك من قوله:"و أنت من الكافرين"وقد اقتضى طبع ما يذكره في الجواب أن يغير الترتيب في الجواب فيجيب أولا عن اعتراضه الثاني ثم عن الأول ثم عن الثالث.

فقوله:"فعلتها إذا وأنا من الضالين"جواب عن اعتراضه بقتل القبطي وقد استعظمه حيث لم يصرح باسمه بل كنى عنه بالفعلة التي فعلت صونا للأسماع أن تقرع باسمه فتتألم.

والتدبر في متن الجواب ومقابلته الاعتراض يعطي أن قوله:"ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما"من تمام الجواب عن القتل فيتقابل الحكم والضلال ويتضح حينئذ أن المراد بالضلال الجهل المقابل للحكم والحكم إصابة النظر في حقيقة الأمر وإتقان الرأي في تطبيق العمل عليه فيرجع معناه إلى القضاء الحق في حسن الفعل وقبحه وتطبيق العمل عليه ، وهذا هو الذي كان يؤتاه الأنبياء ، قال تعالى:"و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله".

فالمراد أني فعلتها حينئذ والحال أني في ضلال من الجهل بجهة المصلحة فيه والحق الذي يجب أن يتبع هناك فأقدمت على الدفاع عمن استنصرني ولم أعلم أنه يؤدي إلى قتل الرجل ويؤدي ذلك إلى عاقبة وخيمة تحوجني إلى خروجي من مصر وفراري إلى مدين والتغرب عن الوطن سنين.

ومن هنا يظهر ما في قول بعضهم: إن المراد بالضلال الجهل بمعنى الإقدام على الفعل من غير مبالاة بالعواقب كما في قوله: ألا لا يجهلن أحد علينا.

فنجهل فوق جهل الجاهلينا.

وكذا قول بعض آخر: إن المراد بالضلال المحبة كما فسر به قول بني يعقوب لأبيهم:"تالله إنك لفي ضلالك القديم"أي في محبتك القديمة ليوسف ، فالمعنى: فعلتها حينئذ وأنا من المحبين لله لا ألوي عن محبته إلى شيء.

أما الوجه الأول ففيه أنه اعتراف بالجرم والمعصية ، وآيات سورة القصص ناصة على أن الله سبحانه آتاه حكما وعلما قبل واقعة القتل وهذا لا يجامع الضلال بهذا المعنى من الجهل.

وأما الوجه الثاني ففيه مضافا إلى عدم مساعدة السياق: أن من الممتنع من أدب القرآن أن يسمي محبة الله سبحانه ضلالا.

وأما قول القائل: إن المراد بالضلال الجهل بمعنى عدم التعمد وأنه إنما فعل ذلك جاهلا به غير متعمد إياه فإنه (عليه السلام) إنما تعمد وكز القبطي للتأديب فأدى إلى ما أدى.

وكذا قول القائل: إن المراد بالضلال الجهل بالشرائع كما فسر به بعضهم قوله:"و وجدك ضالا فهدى".

وكذا قول القائل: إن المراد بالضلال النسيان كما فسر به قوله تعالى:"أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى": البقرة: 282.

وأن المعنى فعلتها ناسيا حرمتها أو ناسيا أن الوكز مما يفضي إلى القتل عادة.

فوجوه يمكن أن يوجه كل منها بما يرجع به إلى ما قدمناه.

وقوله:"ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما"متفرع على قصة القتل ، والسبب في خوفه وفراره ما أخبر الله به في سورة القصص بقوله:"و جاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفا يترقب": القصص: 21.

وأما الحكم فالمراد به - كما استظهرناه - إصابة النظر في حقيقة الأمر وإتقان الرأي في العمل به.

فإن قلت: صريح الآية أن موهبة الحكم كانت بعد واقعة القتل ومفاد آيات سورة القصص أنه (عليه السلام) أعطي الحكم قبلها ، قال تعالى:"و لما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ، ودخل المدينة إلخ: ، القصص: 15 ، ثم ساق القصة وذكر القتل والفرار."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت