و الذي يظهر من تاريخ اليهود أن المبعوث أولا لتخريب بيت المقدس هو بخت نصر وبقي خرابا سبعين سنة ، والمبعوث ثانيا هو قيصر الروم إسبيانوس سير إليهم وزيره طوطوز فخرب البيت وأذل القوم قبل الميلاد بقرن تقريبا.
وليس من البعيد أن يكون الحادثتان هما المرادتان في الآيات فإن الحوادث الأخرى لم تفن جمعهم ولم تذهب بملكهم واستقلالهم بالمرة لكن نازلة بخت نصر ذهب بجميعهم وسؤددهم إلى زمن كورش ثم اجتمع شملهم بعده برهة ثم غلب عليهم الروم وأذهبت بقوتهم وشوكتهم فلم يزالوا على ذلك إلى زمن ظهور الإسلام.
ولا يبعده إلا ما تقدمت الإشارة إليه في تفسير الآيات أن فيها إشعارا بأن المبعوث إلى بني إسرائيل في المرة الأولى والثانية قوم بأعيانهم وأن قوله:"ثم رددنا لكم الكرة عليهم"مشعر بأن الكرة من بني إسرائيل على القوم المبعوثين عليهم أولا ، وأن قوله:"فإذا كان وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم"مشعر برجوع ضمير الجمع إلى ما تقدم من قوله:"عبادا لنا".
لكنه إشعار من غير دلالة ظاهرة لجواز أن يكون المراد كرة من غير بني إسرائيل على أعدائهم وهم ينتفعون بها وأن يكون ضمير الجمع عائدا إلى ما يدل عليه الكلام بسياقه من غير إيجاب السياق أن يكون المبعوثون ثانيا هم المبعوثين أولا.