فهرس الكتاب

الصفحة 1731 من 4314

و أثبت بقوله:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس 83 وقوله:"و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر": القمر: 50 وما يشابههما من الآيات أن هذا الوجود التدريجي الذي للأشياء ومنها الإنسان هو أمر من الله يفيضه على الشيء ، ويلقيه إليه بكلمة"كن"إفاضة دفعية وإلقاء غير تدريجي فلوجود هذه الأشياء وجهان وجه إلى الدنيا وحكمه أن يحصل بالخروج من القوة إلى الفعل تدريجا ، ومن العدم إلى الوجود شيئا فشيئا ، ويظهر ناقصا ثم لا يزال يتكامل حتى يفني ويرجع إلى ربه ، ووجه إلى الله سبحانه وهي بحسب هذا الوجه أمور تدريجية وكل ما لها فهو لها في أول وجودها من غير أن تحتمل قوة تسوقها إلى الفعل.

وهذا الوجه غير الوجه السابق وإن كانا وجهين لشيء واحد ، وحكمه غير حكمه وإن كان تصوره التام يحتاج إلى لطف قريحة ، وقد شرحناه في الأبحاث السابقة بعض الشرح وسيجيء إن شاء الله استيفاء الكلام في شرحه.

ومقتضى هذه الآيات أن للعالم الإنساني على ما له من السعة وجودا جميعا عند الله سبحانه ، وهو الذي يلي جهته تعالى ويفيضه على أفراده لا يغيب فيها بعضهم عن بعض ولا يغيبون فيه عن ربهم ولا هو يغيب عنهم ، وكيف يغيب فعل عن فاعله أو ينقطع صنع عن صانعه ، وهذا هو الذي يسميه الله سبحانه بالملكوت ، ويقول:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين": الأنعام 75 ويشير إليه بقوله:"كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين": التكاثر: 7.

وأما هذا الوجه الدنيوي الذي نشاهده نحن من العالم الإنساني وهو الذي يفرق بين الآحاد ، ويشتت الأحوال والأعمال بتوزيعها على قطعات الزمان ، وتطبيقها على مر الليالي والأيام ويحجب الإنسان عن ربه بصرف وجهه إلى التمتعات المادية الأرضية واللذائذ الحسية فهو متفرع على الوجه السابق متأخر عنه.

وموقع تلك النشأة وهذه النشأة في تفرعها عليها موقعا كن ويكون في قوله تعالى:"أن نقول له كن فيكون": يس: 82.

ويتبين بذلك أن هذه النشأة الإنسانية الدنيوية مسبوقة بنشأة أخرى إنسانية هي هي بعينها غير أن الآحاد موجودون فيها غير محجوبين عن ربهم يشاهدون فيها وحدانيته تعالى في الربوبية بمشاهدة أنفسهم لا من طريق الاستدلال بل لأنهم لا ينقطعون عنه ولا يفقدونه ، ويعترفون به وبكل حق من قبله ، وأما قذارة الشرك وألواث المعاصي فهو من أحكام هذه النشأة الدنيوية دون تلك النشأة التي ليس فيها إلا فعله تعالى القائم به فافهم ذلك.

وأنت إذا تدبرت هذه الآيات ثم راجعت قوله تعالى:"و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم"الآية وأجدت التدبر فيها وجدتها تشير إلى تفصيل أمر تشير هذه الآيات إلى إجماله فهي تشير إلى نشأة إنسانية سابقة فرق الله فيها بين أفراد هذا النوع ، وميز بينهم وأشهدهم على أنفسهم: أ لست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا.

ولا يرد عليه ما أورد على قول المثبتين في تفسير الآية على ما فهموه من معنى عالم الذر من الروايات على ما تقدم فإن هذا المعنى المستفاد من سائر الآيات والنشأة السابقة التي تثبته لا تفارق هذه النشأة الإنسانية الدنيوية زمانا بل هي معها محيطة بها لكنها سابقة عليها السبق الذي في قوله تعالى:"كن فيكون"ولا يرد عليه شيء من المحاذير المذكورة.

ولا يرد عليه ما أوردناه على قول المنكرين في تفسيرهم الآية بحال وجود النوع الإنساني في هذه النشأة الدنيوية من مخالفته لقوله:"و إذ أخذ ربك"ثم التجوز في الإشهاد بإرادة التعريف منه ، وفي الخطاب بقوله:"أ لست بربكم"بإرادة دلالة الحال ، وكذا في قوله:"قالوا بلى"وقوله:"شهدنا"بل الظرف ظرف سابق على الدنيا وهو غيرها ، والإشهاد على حقيقته ، والخطاب على حقيقته.

ولا يرد عليه أنه من قبيل تحميل الآية معنى لا تدل عليه فإن الآية لا تأبى عنه وسائر الآيات تشير إليه بضم بعضها إلى بعض.

وأما الروايات فسيأتي أن بعضها يدل على أصل تحقق هذه النشأة الإنسانية كالآية ، وبعضها يذكر أن الله كشف لآدم (عليه السلام) عن هذه النشأة الإنسانية ، وأراه هذا العالم الذي هو ملكوت العالم الإنساني ، وما وقع فيه من الإشهاد وأخذ الميثاق كما أرى إبراهيم (عليه السلام) ملكوت السماوات والأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت