فهرس الكتاب

الصفحة 1730 من 4314

بقي الكلام فيما ذكره النافون أن الآية تشير إلى ما عليه حال الإنسان في هذه الحياة الدنيا ، وهو أن الله سبحانه أخرج كلا من آحاد الإنسان من الأصلاب والأرحام إلى مرحلة الانفصال والتفرق ، وركب فيهم ما يعرفون به ربوبيته واحتياجهم إليه كأنه قال لهم إذا وجه وجوههم نحو أنفسهم المستغرقة في الحاجة: أ لست بربكم؟ وكأنهم لما سمعوا هذا الخطاب من لسان الحال قالوا: بلى أنت ربنا شهدنا بذلك ، وإنما فعل الله ذلك لتتم عليهم حجته بالمعرفة وتنقطع حجتهم عليه بعدم المعرفة ، وهذا ميثاق مأخوذ منهم طول الدنيا جار ما جرى الدهر والإنسان يجري معه.

والآية بسياقها لا تساعد عليه فإنه تعالى افتتح الآية بقوله:"و إذ أخذ ربك"الآية فعبر عن ظرف هذه القضية بإذ وهو يدل على الزمن الماضي أو على أي ظرف محقق الوقوع نحوه كما في قوله:"و إذ قال الله يا عيسى بن مريم أ أنت قلت للناس - إلى أن قال - قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم": المائدة: 119 فعبر بإذ عن ظرف مستقبل لتحقق وقوعه.

وقوله:"و إذ أخذ ربك"خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو له ولغيره كما يدل عليه قوله:"أن تقولوا يوم القيامة"الآية ، إن كان الخطاب متوجها إلينا معاشر السامعين للآيات المخاطبين بها والخطاب خطاب دنيوي لنا معاشر أهل الدنيا ، والظرف الذي يتكي عليه هو زمن حياتنا في الدنيا أو زمن حياة النوع الإنساني فيها وعمره الذي هو طول إقامته في الأرض ، والقصة التي يذكرها في الآية ظرفها عين ظرف وجود النوع في الدنيا فلا مصحح للتعبير عن ظرفها بلفظة"إذ"الدالة على تقدم ظرف القصة على ظرف الخطاب ، ولا عناية أخرى في المقام تصحح هذا التعبير من قبيل تحقق الوقوع ونحوه وهو ظاهر.

فقوله:"و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم"في عين أنه يدل على قصة خلقه تعالى النوع الإنساني بنحو التوليد وأخذ الفرد من الفرد ، وبث الكثير من القليل كما هو المشهود في نحو تكون الآحاد من الإنسان ، وحفظهم وجود النوع بوجود البعض من البعض على التعاقب ، يدل على أن للقصة - وهي تنطبق على الحال المشهود - نوعا من التقدم على هذا المشهود من جريان الخلقة وسيرها.

وقد تقدمت استحالة ما افترضوا لهذا التقدم من تقدم هذه الخلقة بنحو تقدما زمانيا بأن يأخذ الله أول فرد من هذا النوع فيأخذ منه مادة النطفة التي منها نسل هذا النوع فيجزؤها أجزاء ذرية بعدد أفراد النوع إلى يوم القيامة ثم يلبس وجود كل فرد بعينه بحياته وعقله وسمعه وبصره وضميره وظهره وبطنه ويكسيه وجوده التي هي له قبل أن يسير مسيره الطبيعي فيشهده نفسه ويأخذ منه الميثاق ، ثم ينزعه منها ويردها إلى مكانها الصلبي حتى يسير سيره الطبيعي ، وينتهي إلى موطنها الذي لها من الدنيا فقد تقدم بطلان ذلك ، وأن الآية أجنبية عنه.

لكن الذي أحال هذا المعنى هو استلزامه وجود الإنسان بما له من الشخصية الدنيوية مرتين في الدنيا ، واحدة بعد أخرى المستلزم لكون الشيء غير نفسه بتعدد شخصيته فهو الأصل الذي تنتهي إليه جميع المشكلات السابقة.

وأما وجود الإنسان أو غيره في امتداد مسيره إلى الله ورجوعه إليه في عوالم مختلفة النظام متفاوتة الحكم فليس بمحال ، وهو مما يثبته القرآن الكريم ولو كره ذلك الكافرون الذين يقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ، وما يهلكنا إلا الدهر فقد أثبت الله الحياة الآخرة للإنسان وغيره يوم البعث ، وفيه هذا الإنسان بعينه ، وقد وصفه بنظام وأحكام غير هذه النشأة الدنيوية نظاما وأحكاما ، وقد أثبت حياة برزخية لهذا الإنسان بعينه وهي غير الحياة الدنيوية نظاما وحكما ، وأثبت بقوله:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21 أن لكل شيء عنده وجودا وسيعا غير مقدر في خزائنه ، وإنما يلحقه الأقدار إذا نزله إلى الدنيا مثلا فللعالم الإنساني على سعته سابق وجود عنده تعالى في خزائنه أنزله إلى هذه النشأة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت