فهرس الكتاب

الصفحة 2022 من 4314

قوله تعالى:"و يوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم"إلى آخر الآية.

المراد حشر جميع من سبق ذكره من المؤمنين والمشركين وشركائهم فإنه تعالى يذكر المشركين وشركاءهم في هذه الآية وما يتلوها ثم يشير إلى الجميع بقوله في الآية التالية:"هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت".

وقوله:"ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم"أي الزموا مكانكم أنتم وليلزم شركاؤكم مكانهم وتفرع على هذا الخطاب أن زيلنا بينهم ، وقطعنا الرابطة التي كانت تربطهم بشركائهم وهي رابطة الوهم والحسبان التي يتصلون بسببها بشركائهم فانقطعوا عن شركائهم وانقطع شركاؤهم عنهم فبان أن عبادتهم لم تقع عليهم ولم تتعلق بهم لأنهم إنما عبدوا الشركاء وهم ليسوا بشركاء.

والدليل على هذا الذي ذكرناه قوله تعالى بعده:"و قال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون"فالكلام على ظاهره من النفي الجدي الصادق لعبادتهم إياهم ، وليسوا يكذبون في كلامهم هذا بدليل استنادهم إلى شهادة الله سبحانه ، ولا أنهم يريدون أنا لم نكن ندعوكم إلى عبادتنا فإن الكلام لا يلائم هذا المعنى ، ولا أن مرادهم التعريض لهم بأنكم كنتم تعبدون أهواءكم وشياطينكم المغوين لكم في الحقيقة فإن ذلك لا يلائم دعواهم الغفلة ، وكذا لا يلائمه قوله بعده:"هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت"إلخ ، على ما سيجيء من معناه بل مرادهم نفي العبادة حقيقة بنفي حقيقة الشركة ، والاستشهاد على ذلك بشهادة الله وعلمه بغفلتهم عن عبادتهم.

والعبادة التي هي اتصال ما بالمملوكية والتذلل من العابد بالمعبود إنما تكون عبادة إذا اتصلت وارتبطت بالمعبود - حتى يتم به معنى اللام في قولنا: العبادة له - ولا يكون ذلك إلا بشعور من المعبود وعلم منه بذلك فإذا لم يتحقق هناك علم لم تتحقق عبادة حقيقة ، وإنما هي صورة عبادة.

فقد تبين أن المراد بقوله:"ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم"إظهاره وإبرازه تعالى يومئذ حقيقة الأمر الذي سترت عليه الأوهام وحجبته الأهواء في الدنيا وهو أن حقيقة المولوية ومالكية زمان التدبير لله سبحانه وليس لغيره من المولوية والربوبية شيء حتى يصح الالتجاء إليه وتصدق عبادته.

فإذا كشف الله الغطاء عن وجه هذه الحقيقة يومئذ بأن للمشركين أن شركاءهم لم يكونوا شركاء ولا معبودين لهم في الحقيقة - لغفلتهم عن عبادتهم ، وإنما كانوا يأتون لهم بصورة العبادة التي كان الوهم والهوى يصور أنها عبادة وليست بها.

وإليه يشير أيضا قوله تعالى:"و إذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون:"النحل: - 86.

وقد تبين بذلك أيضا أن قوله:"و قال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون"قول من شركائهم لهم على الجد والحقيقة ، ويظهر به فساد قول بعضهم: المراد أنكم لم تعبدونا بأمرنا ودعائنا لا أنكم لم تعبدونا أصلا لأن ذلك كذب لا يجوز أن يقع في الآخرة لكونهم ملجئين فيها إلى ترك القبيح.

فإن نفي أصل العبادة بما عرفت من معناه هو حق الصدق وإثبات العبادة وإن لم يكن كذبا إلا أنه لا يخلو عن مجاز في الجملة بالنظر إلى حقيقة الأمر على أن ما ذكره أن المراد نفي العبادة بأمرهم ودعوتهم معنى لا دليل عليه من جهة اللفظ.

على أن الكذب إنما لا يقع في الآخرة إذا كان عملا وكسبا وإما بمعنى نتيجة الملكات الدنيوية فلا مانع من إمكانه بل هو واقع كما يحكيه تعالى في قوله:"ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم": الأنعام: - 24 وغيره من الآيات.

وكذا قول بعضهم: إن المراد ما كنتم تخصوننا بالعبادة ، وإنما كنتم تعبدون أهواءكم وشهواتكم وشياطينكم المغوية لكم - فإن صدق عبادة الأهواء والشيطان على عملهم من جهة أنه اتباع للهوى والشيطان لا ينفي عنه صدق كونه عبادة للأصنام كما أنه تعالى يصدق في كلامه الجهات الثلاث جميعا قال تعالى:"و يعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم:"يونس: - 18 وقال:"أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه": الجاثية: - 23 ، وقال:"إن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين:"يس: - 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت