فهرس الكتاب

الصفحة 3060 من 4314

و أما عامتهم من الهمجيين كأعراب الجاهلية والقاطنين في أطراف المعمورة فلم يكن معتقداتهم في ذلك مبنية على قواعد مضبوطة وربما كانوا يرون للمعمورة من الأرض وسكانها آلهة دون الله لها أصنام وربما رأوا نفس الأصنام المصنوعة آلهة ، وأما السماوات والسماويات وكذا البحار فكانوا يرونها مربوبة لله سبحانه والله ربها كما يلوح إليه قوله تعالى حكاية عن فرعون:"يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى": المؤمن: 37 ، فإن ظاهره أنه كان يرى أن الذي يدعو إليه موسى - وهو الله تعالى - إله السماء وبالجملة السماوات وما فيهن ومن فيهن من الملائكة عندهم مربوبون لله سبحانه ثم الملائكة أرباب لما دون السماوات.

وأما الصابئون ومن يحذو حذوهم فإنهم - كما سمعت - يرون للسماوات وما فيهن من النجوم والكواكب آلهة وأربابا من دون الله وهم الملائكة والجن وهم يرون الملائكة والجن موجودات مجردة عن المادة طاهرة عن لوث الطبيعة ، وحينما يعدونهم ساكنين في السماوات فإنما يريدون باطن هذا العالم وهو العالم السماوي العلوي الذي فيه تتقدر الأمور ومنه ينزل القضاء وبه تستمد الأسباب الطبيعية ، وهو بما فيه من الملائكة وغيرهم مربوب لله سبحانه وإن كان من فيه آلهة للعالم الحسي وأربابا لمن فيه والله رب الأرباب.

إذا تمهدت هذه المقدمة فنقول: إن كان وجه الكلام في الآية الكريمة إلى مشركي العرب كما هو الظاهر ، كان السؤال عن رب السماوات السبع والجواب عنه باعترافهم أنه الله في محله كما عرفت.

وإن كان وجه الكلام إلى غيرهم ممن يرى للسماء إلها دون الله كان المراد بالسماء العالم السماوي بسكنته من الملائكة والجن دون السماوات المادية ، ويؤيده مقارنته بالسؤال عن رب العرش العظيم فإن العرش مقام صدور الأحكام المتعلقة بمطلق الخلق الذي منهم أربابهم وآلهتهم ، ومن المعلوم أن لا رب لمقام هذا شأنه إلا الله إذ لا يفوقه شيء دونه.

وهذا العالم العلوي هو عندهم عالم الأرباب والآلهة لا رب له إلا الله سبحانه فالسؤال عن ربه والجواب عنه باعترافهم أنه الله في محله كما أشير إليه.

فمعنى الآية - والله أعلم - قل: من رب السماوات السبع التي منها تنزل أقدار الأمور وأقضيتها ورب العرش العظيم الذي منه يصدر الأحكام لعامة ما في العالم من الملائكة فمن دونهم؟ فإنهم وما يملكونهم باعتقادكم مملوكة لله وهو الذي ملكهم ما ملكوه.

قوله تعالى:"سيقولون لله قل أ فلا تتقون"حكاية لجوابهم بالاعتراف بأن السماوات السبع والعرش العظيم لله سبحانه.

والمعنى: سيجيبونك بأنها لله قل لهم تبكيتا وتوبيخا: فإذا كان السماوات السبع منها ينزل الأمر والعرش العظيم منه يصدر الأمر لله سبحانه فلم لا تتقون سخطه إذ تنكرون البعث وتعدونه من أساطير الأولين وتسخرون من أنبيائه الذين وعدوكم به؟ فإن له تعالى أن يصدر الأمر ببعث الأموات وإنشاء النشأة الآخرة للإنسان وينزل الأمر به من السماء.

ومن لطيف تعبير الآية التعبير بقوله:"لله"فإن الحجة تتم بالملك وإن لم يعترفوا بالربوبية.

قوله تعالى:"قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون الملكوت هو الملك بمعنى السلطنة والحكم ، ويفيد مبالغة في معناه والفرق بين الملك بالفتح والكسر وبين المالك أن المالك هو الذي يملك المال والملك يملك المالك وماله ، فله ملك في طول ملك وله التصرف بالحكم في المال ومالكه."

وقد فسر تعالى ملكوته بقوله:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس - 83 ، فملكوت كل شيء هو كونه عن أمره تعالى بكلمة كن وبعبارة أخرى وجوده عن إيجاده تعالى.

فكون ملكوت كل شيء بيده كناية استعارية عن اختصاص إيجاد كل ما يصدق عليه الشيء به تعالى كما قال:"الله خالق كل شيء": الزمر: 62 ، فملكه تعالى محيط بكل شيء ونفوذ أمره ومضي حكمه ثابت على كل شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت