فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و لما كان من الممكن أن يتوهم أن عموم الملك ونفوذ الأمر لا ينافي إخلال بعض ما أوجده من الأسباب والعلل بأمره فيفعل ببعض خلقه ما لا يريده أو يمنعه عما يريده تمم قوله:"بيده ملكوت كل شيء"بقوله:"و هو يجير ولا يجار عليه"وهو في الحقيقة توضيح لاختصاص الملك بأنه بتمام معنى الكلمة فليس لشيء شيء من الملك في عرض ملكه ولو بالمنع والإخلال والاعتراض فله الملك وله الحكم.
وقوله:"و هو يجير ولا يجار عليه"من الجوار ، وهو في أصله قرب المسكن ثم جعلوا للجوار حقا وهو حماية الجار لجاره عمن يقصده بسوء لكرامة الجار على الجار بقرب الدار واشتق منه الأفعال يقال: استجاره فأجاره أي سأله الحماية فحماه أي منع عنه من يقصده بسوء.
وهذا جار في جميع أفعاله تعالى فما من شيء يخصه الله بعطية حدوثا أو بقاء إلا وهو يحفظه على ما يريد وبمقدار ما يريد من غير أن يمنعه مانع إذ منع المانع - لو فرض - إنما هو بإذن منه ومشية فليس منعا له تعالى بل منعا منه وتحديدا لفعل منه بفعل آخر ، وما من سبب من الأسباب يفعل فعلا إلا وله تعالى أن يتصرف فيه بما لا يريده لأنه تعالى هو الذي ملكه الفعل بمشيته فله أن يمنعه منه أو من بعضه.
فالمراد بقوله:"و هو يجير ولا يجار عليه"أنه يمنع السوء عمن قصد به ولا يمنعه شيء إذا أراد شيئا بسوء عما أراد.
ومعنى الآية قل لهؤلاء المنكرين للبعث: من الذي يختص به إيجاد كل شيء بما له من الخواص والآثار وهو يحمي من استجار به ولا يحمى عنه شيء إذا أراد شيئا بسوء؟ إن كنتم تعلمون.
قوله تعالى:"سيقولون لله قل فأنى تسحرون"قيل: إن المراد بالسحر أن يخيل الشيء للإنسان على خلاف ما هو عليه فهو من الاستعارة أو الكناية.
والمعنى: سيجيبونك أن الملكوت لله قل لهم تبكيتا وتوبيخا: فإلى متى يخيل لكم الحق باطلا فإذا كان الملك المطلق لله سبحانه فله أن يوجد النشأة الآخرة ويعيد الأموات للحساب والجزاء بأمر يأمره وهو قوله:"كن".
واعلم أن الاحتجاجات الثلاثة كما تثبت إمكان البعث كذلك تثبت توحده تعالى في الربوبية فإن الملك الحقيقي لا يتخلف عن جواز التصرفات ، والمالك المتصرف هو الرب.
قوله تعالى:"بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون"إضراب عن النفي المفهوم من الحجج التي أقيمت في الآيات السابقة ، والمعنى فإذا كانت الحجج المبنية تدل على البعث وهم معترفون بصحتها فليس ما وعدهم رسلنا باطلا بل جئناهم بلسان الرسل بالحق وإنهم لكاذبون في دعواهم كذبهم ونفيهم للبعث.
قوله تعالى:"ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض"إلخ ، القول بالولد كان شائعا بين الوثنيين يعدون الملائكة أو بعضهم وبعض الجن وبعض القديسين من البشر أولادا لله سبحانه وتبعهم النصارى في قولهم: المسيح ابن الله ، وهذا النوع من الولادة والبنوة مبني على اشتمال الابن على شيء من حقيقة اللاهوت وجوهره وانفصاله منه بنوع من الاشتقاق فيكون المسمى بالابن إلها مولودا من إله.
وأما البنوة الادعائية بالتبني وهو أخذ ولد الغير ابنا لتشريف أو لغرض آخر فلا يوجب اشتمال الابن على شيء من حقيقة الأب كقول اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه ، وليس الولد بهذا المعنى مرادا لأن الكلام مسوق لنفي تعدد الآلهة ، ولا يستلزم هذا النوع من البنوة ألوهية وإن كان التسمي والتسمية بها ممنوعا.
فالمراد باتخاذ الولد إيجاد شيء بنحو التبعض والاشتقاق يكون مشتملا بنحو على شيء من حقيقة الموجد لا تسمية شيء موجود ابنا وولدا لغرض من الأغراض كما ذكره بعضهم.
والولد - كما عرفت - أخص مصداقا عندهم من الإله فإن بعض آلهتهم ليس بولد عندهم فقوله:"ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله"ترق من نفي الأخص إلى نفي الأعم ولفظة"من"في الجملتين زائدة للتأكيد.