فهرس الكتاب

الصفحة 3062 من 4314

و قوله:"إذا لذهب كل إله بما خلق"حجة على نفي التعدد ببيان محذوره إذ لا يتصور تعدد الآلهة إلا ببينونتها بوجه من الوجوه بحيث لا تتحد في معنى ألوهيتها وربوبيتها ، ومعنى ربوبية الإله في شطر من الكون ونوع من أنواعه تفويض التدبير فيه إليه بحيث يستقل في أمره من غير أن يحتاج فيه إلى شيء غير نفسه حتى إلى من فوض إليه الأمر ، ومن البين أيضا أن المتباينين لا يترشح منهما إلا أمران متباينان.

ولازم ذلك أن يستقل كل من الآلهة بما يرجع إليه من نوع التدبير وتنقطع رابطة الاتحاد والاتصال بين أنواع التدابير الجارية في العالم كالنظام الجاري في العالم الإنساني عن الأنظمة الجارية في أنواع الحيوان والنبات والبر والبحر والسهل والجبل والأرض والسماء وغيرها وكل منها عن كل منها ، وفيه فساد السماوات والأرض وما فيهن ، ووحدة النظام الكوني والتئام أجزائه واتصال التدبير الجاري فيه يكذبه.

وهذا هو المراد بقوله:"إذا لذهب كل إله بما خلق"أي انفصل بعض الآلهة عن بعض بما يترشح منه من التدبير.

وقوله:"و لعلا بعضهم على بعض"محذور آخر لازم لتعدد الآلهة تتألف منه حجة أخرى على النفي ، بيانه أن التدابير الجارية في الكون مختلفة منها التدابير العرضية كالتدبيرين الجاريين في البر والبحر والتدبيرين الجاريين في الماء والنار ، ومنها التدابير الطولية التي تنقسم إلى تدبير عام كلي حاكم وتدبير خاص جزئي محكوم كتدبير العالم الأرضي وتدبير النبات الذي فيه ، وكتدبير العالم السماوي وتدبير كوكب من الكواكب التي في السماء ، وكتدبير العالم المادي برمته وتدبير نوع من الأنواع المادية.

فبعض التدبير وهو التدبير العام الكلي يعلو بعضا بمعنى أنه بحيث لو انقطع عنه ما دونه بطل ما دونه لتقومه بما فوقه ، كما أنه لو لم يكن هناك عالم أرضي أو التدبير الذي يجري فيه بالعموم لم يكن عالم إنساني ولا التدبير الذي يجري فيه بالخصوص.

ولازم ذلك أن يكون الإله الذي يرجع إليه نوع عال من التدبير عاليا بالنسبة إلى الإله الذي فوض إليه من التدبير ما هو دونه وأخص منه وأخس واستعلاء الإله على الإله محال.

لا لأن الاستعلاء المذكور يستلزم كون الإله مغلوبا لغيره أو ناقصا في قدرته محتاجا في تمامه إلى غيره أو محدودا والمحدودية تفضي إلى التركيب ، وكل ذلك من لوازم الإمكان المنافي لوجوب وجود الإله فيلزم الخلف - كما قرره المفسرون - فإن الوثنيين لا يرون لآلهتهم من دون الله وجوب الوجود بل هي عندهم موجودات ممكنة عالية فوض إليهم تدبير أمر ما دونها ، وهي مربوبة لله سبحانه وأرباب لما دونها والله سبحانه رب الأرباب وإله الآلهة وهو الواجب الوجود بالذات وحده.

بل استحالة الاستعلاء إنما هو لاستلزامه بطلان استقلال المستعلى عليه في تدبيره وتأثيره إذ لا يجامع توقف التدبير على الغير والحاجة إليه الاستقلال فيكون السافل منها مستمدا في تأثيره محتاجا فيه إلى العالي فيكون سببا من الأسباب التي يتوسل بها إلى تدبير ما دونه لا إلها مستقلا بالتأثير دونه فيكون ما فرض إلها غير إله بل سببا يدبر به الأمر هذا خلف.

هذا ما يعطيه التدبر في الآية ، وللمفسرين في تقرير حجة الآية مسالك مختلفة يبتني جميعها على استلزام تعدد الآلهة أمورا تستلزم إمكانها وتنافي كونها واجبة الوجود فيلزم الخلف ، والقوم لا يقولون في شيء من آلهتهم من دون الله بوجوب الوجود ، وقد أفرط بعضهم فقرر الآية بوجوه مؤلفة من مقدمات لا إشارة في الآية إلى جلها ولا إيهام ، وفرط آخرون فصرحوا بأن الملازمة المذكورة في الآية عادية لا عقلية ، والدليل إقناعي لا قطعي.

ثم لا يشتبهن عليك أمر قوله:"لذهب كل إله بما خلق"حيث نسب الخلقة إليها وقد تقدم أنهم قائلون بإله التدبير دون الإيجاد وذلك لأن بعض الخلق من التدبير فإن خلق جزئي من الجزئيات مما يتم بوجوده النظام الكلي من التدبير بالنسبة إلى النظام الجاري فالخلق بمعنى الفعل والتدبير مختلطان وقد نسب الخلق إلى أعمالنا كما في قوله:"و الله خلقكم وما تعملون": الصافات: 96 ، وقوله:"و جعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون": الزخرف: 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت