فهرس الكتاب

الصفحة 3063 من 4314

فالقوم يرون أن كلا من الآلهة خالق لما دونه أي فاعل له كما يفعل الواحد منا أفعاله ، وأما إعطاء الوجود للأشياء فمما يختص بالله سبحانه وحده لا يرتاب فيه موحد ولا وثني إلا بعض من لم يفرق بين الفعل والإيجاد من المتكلمين.

وقد ختم الآية بالتنزيه بقوله:"سبحان الله عما يصفون".

قوله تعالى:"عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون"صفة لاسم الجلالة في قوله:"سبحان الله عما يصفون"وتأخيرها للدلالة على علمه بتنزهه عن وصفهم إياه بالشركة - على ما يعطيه السياق - فيكون في معنى قوله:"قل أ تنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون": يونس: 18.

ويرجع في الحقيقة إلى الاحتجاج على نفي الشركاء بشهادته تعالى أنه لا يعلم لنفسه شريكا كما أن قوله:"شهد الله أنه لا إله إلا هو": آل عمران: 18 احتجاج بالشهادة على نفي أصل الوجود.

وقيل: إنه برهان آخر راجع إلى إثبات العلو أو لزوم الجهل الذي هو نقص وضد العلو لأن المتعددين لا سبيل لهما إلى أن يعلم كل واحد حقيقة الآخر كعلم ذلك الآخر بنفسه بالضرورة وهو نوع جهل وقصور.

انتهى.

وفيه أن ذلك كسائر ما قرروه من البراهين ينفي تعدد الإله الواجب الوجود بالذات ، والوثنيون لا يلتزمون في آلهتهم من دون الله بذلك.

على أن بعض مقدمات ما قرر من الدليل ممنوع.

وقوله:"فتعالى عما يشركون"تفريع على جميع ما تقدم من الحجج على نفي الشركاء.

قوله تعالى:"قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين"لما فرغ من نقل ما تفوهوا به من الشرك بالله وإنكار البعث والاستهزاء بالرسل وأقام الحجج على إثبات حقيتها رجع إلى ما تقدم من تهديدهم بالعذاب فأمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسأله أن ينجيه من العذاب الذي أوعدهم به إن أراه ذلك العذاب.

فقوله:"قل رب إما تريني ما يوعدون"أمر بالدعاء والاستغاثة ، وتكرار"رب"لتأكيد التضرع وما في قوله:"إما تريني"زائدة وهي المصححة لدخول نون التأكيد على الشرط وأصله: إن ترني.

وفي قوله:"ما يوعدون"دلالة على أن بعض ما تقدم في السورة من الإيعاد بالعذاب إيعاد بعذاب دنيوي.

وما في قوله:"رب فلا تجعلني في القوم الظالمين"من الكون فيهم كناية عن شمول عذابهم له.

قوله تعالى:"و إنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون"تطييب لنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقدرة ربه على أن يكشف عنه بإراءته ما يعدهم من العذاب ، ولعل المراد به ما عذبهم الله به يوم بدر وقد أراه الله ذلك وأراه المؤمنين وشفى به غليل صدورهم.

قوله تعالى:"ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون"أي ادفع السيئة التي تتوجه إليك منهم بالحسنة واختر للدفع من الحسنات أحسنها ، وهو دفع السيئة بالحسنة التي هي أحسن مثل أنه لو أساءوا إليك بالإيذاء أحسن إليهم بغاية ما استطعت من الإحسان ثم ببعض الإحسان في الجملة ولو لم يسعك ذلك فبالصفح عنهم.

وقوله:"نحن أعلم بما يصفون"نوع تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يسوءنه ما يلقاه ولا يحزنه ما يشاهد من تجريهم على ربهم فإنه أعلم بما يصفون.

قوله تعالى:"و قل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون"، قال في مجمع البيان ،: الهمزة شدة الدفع ، ومنه الهمزة للحرف الذي يخرج من أقصى الحلق باعتماد شديد ودفع ، وهمزة الشيطان دفعه بالإغواء إلى المعاصي انتهى.

وفي تفسير القمي ، عنه (عليه السلام) : أنه ما يقع في قلبك من وسوسة الشياطين.

وفي الآيتين أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستعيذ بربه من إغواء الشياطين ومن أن يحضروه ، وفيه إيهام إلى أن ما ابتلي به المشركون من الشرك والتكذيب من همزات الشياطين وإحاطتهم بهم بالحضور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت