و في التوحيد ، عن هشام بن الحكم قال: سأل الزنديق الذي أتى أبا عبد الله فقال: من أين أثبت أنبياء ورسلا؟ قال أبو عبد الله (عليه السلام) : إنا لما أثبتنا: أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصانع حكيما لم يجز أن يشاهده خلقه ، ولا يلامسوه ، ولا يباشرهم ولا يباشروه ويحاجهم ويحاجوه ، فثبت أن له سفراء في خلقه يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما فيه بقاؤهم ، وفي تركه فناؤهم ، فثبت الآمرون الناهون عن الحكيم العليم في خلقه ، وثبت عند ذلك أن له معبرين وهم الأنبياء وصفوته من خلقه ، حكماء مؤدبون بالحكمة مبعوثين بها ، غير مشاركين للناس في أحوالهم ، على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب ، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد ، من إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص فلا يخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقال الرسول ووجوب عدالته.
أقول: والحديث كما ترى مشتمل على حجج ثلاث في مسائل ثلاث من النبوة.
إحداها: الحجة على النبوة العامة وبالتأمل فيما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) تجد أنه منطبق على ما استفدنا من قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة الآية.
وثانيتها: الحجة على لزوم تأييد النبي بالمعجزة ، وما ذكره (عليه السلام) منطبق على ما ذكرناه في البحث عن الإعجاز في بيان قوله تعالى:"و إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله:"البقرة - 23.
وثالثتها: مسألة عدم خلو الأرض عن الحجة وسيأتي بيانه إن شاء الله.
وفي المعاني ، والخصال ، عن عتبة الليثي عن أبي ذر رحمه الله قال: قلت يا رسول الله كم النبيون؟ قال: مائة وأربعة وعشرون ألف نبي ، قلت: كم المرسلون منهم؟ قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا ، قلت من كان أول الأنبياء؟ قال: آدم ، قلت: وكان من الأنبياء مرسلا؟ قال: نعم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه ، ثم قال يا أبا ذر أربعة من الأنبياء سريانيون: آدم وشيث ، وأخنوخ وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم ، ونوح ، وأربعة من العرب: هود ، وصالح ، وشعيب ، ونبيك محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأول نبي من بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى وستمائة نبي ، قلت: يا رسول الله! كم أنزل الله تعالى من كتاب؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب ، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة وعلى إدريس ثلاثين صحيفة ، وعلى إبراهيم عشرين صحيفة ، وأنزل التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، والفرقان.
أقول: والرواية وخاصة صدرها المتعرض لعدد الأنبياء والمرسلين من المشهورات روتها الخاصة والعامة في كتبهم ، وروى هذا المعنى الصدوق في الخصال ، والأمالي ، عن الرضا عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ورواه ابن قولويه في كامل الزيارة ، والسيد في الإقبال ، عن السجاد (عليه السلام) ، وفي البصائر ، عن الباقر (عليه السلام) .
وفي الكافي ، عن الباقر (عليه السلام) : في قوله تعالى: وكان رسولا نبيا الآية قال: النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك ، والرسول الذي يسمع الصوت ولا يرى في المنام ويعاين.
أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر ، ومن الممكن أن يستفاد ذلك من مثل قوله تعالى:"فأرسل إلى هارون:"الشعراء - 13 ، وليس معناها أن معنى الرسول هو المرسل إليه ملك الوحي بل المقصود أن النبوة والرسالة مقامان خاصة أحدهما الرؤيا وخاصة الآخر مشاهدة ملك الوحي ، وربما اجتمع المقامان في واحد فاجتمعت الخاصتان ، وربما كانت نبوة من غير رسالة ، فيكون الرسالة أخص من النبوة مصداقا لا مفهوما كما يصرح به الحديث السابق عن أبي ذر حيث يقول: قلت: كم المرسلون منهم؟ فقد تبين أن كل رسول نبي ولا عكس.
وبذلك يظهر الجواب عما اعترضه بعضهم على دلالة قوله تعالى:"و لكن رسول الله وخاتم النبيين:"الأحزاب - 40 ، إنه إنما يدل على ختم النبوة دون ختم الرسالة مستدلا بهذه الرواية ونظائرها.
والجواب: أن النبوة أعم مصداقا من الرسالة وارتفاع الأعم يستلزم ارتفاع الأخص ولا دلالة في الروايات كما عرفت على العموم من وجه بين الرسالة والنبوة بل الروايات صريحة في العموم المطلق.