فهرس الكتاب

الصفحة 553 من 4314

و فيه ، أيضا عنه (عليه السلام) : أن القرآن محكم ومتشابه: فأما المحكم فتؤمن به وتعمل به وتدين ، وأما المتشابه فتؤمن به ولا تعمل به ، وهو قول الله عز وجل: وأما الذين في قلوبهم زيغ - فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة - وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله - والراسخون في العلم يقولون آمنا به - كل من عند ربنا. والراسخون في العلم هم آل محمد.

أقول: وسيجيء كلام في معنى قوله (عليه السلام) : والراسخون في العلم هم آل محمد.

وفيه ، أيضا عن مسعدة بن صدقة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه قال: الناسخ الثابت المعمول به ، والمنسوخ ما قد كان يعمل به ثم جاء ما نسخه ، والمتشابه ما اشتبه على جاهله.

قال: وفي رواية: الناسخ الثابت ، والمنسوخ ما مضى ، والمحكم ما يعمل به ، والمتشابه ما يشبه بعضه بعضا.

وفي الكافي ، عن الباقر (عليه السلام) في حديث قال: فالمنسوخات من المتشابهات وفي العيون ، عن الرضا (عليه السلام) : من رد متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم. ثم قال إن في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن ، فردوا متشابهها إلى محكمها ، ولا تتبعوا متشابهها فتضلوا.

أقول: الأخبار كما ترى متقاربة في تفسير المتشابه ، وهي تؤيد ما ذكرناه في البيان السابق: أن التشابه يقبل الارتفاع ، وأنه إنما يرتفع بتفسير المحكم له.

وأما كون المنسوخات من المتشابهات فهو كذلك كما تقدم ووجه تشابهها ما يظهر منها من استمرار الحكم وبقائه ، ويفسره الناسخ ببيان أن استمراره مقطوع.

وأما ما ذكره (عليه السلام) في خبر العيون: أن في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن ومحكما كمحكم القرآن ، فقد وردت في هذا المعنى عنهم (عليهم السلام) روايات مستفيضة ، والاعتبار يساعده فإن الأخبار لا تشتمل إلا على ما اشتمل عليه القرآن الشريف ، ولا تبين إلا ما تعرض له وقد عرفت فيما مر: أن التشابه من أوصاف المعنى الذي يدل عليه اللفظ وهو كونه بحيث يقبل الانطباق على المقصود وعلى غيره لا من أوصاف اللفظ من حيث دلالته على المعنى نظير الغرابة والإجمال ، ولا من أوصاف أعم من اللفظ والمعنى.

وبعبارة أخرى: إنما عرض التشابه لما عرض عليه من الآيات لكون بياناتها جارية مجرى الأمثال بالنسبة إلى المعارف الحقة الإلهية ، وهذا المعنى بعينه موجود في الأخبار ففيها متشابه ومحكم كما في القرآن ، وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: إنا معاشر الأنبياء نكلم الناس على قدر عقولهم وفي تفسير العياشي ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه (عليه السلام) : أن رجلا قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) : هل تصف لنا ربنا نزداد له حبا ومعرفة؟ فغضب وخطب الناس فقال فيما قال عليك يا عبد الله بما دلك عليه القرآن من صفته وتقدمك فيه الرسول من معرفته ، واستضىء من نور هدايته فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها ، فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين ، وما كلفك الشيطان عليه مما ليس عليك في الكتاب فرضه ، ولا في سنة الرسول وأئمة الهدى أمره فكل علمه إلى الله ، ولا تقدر عظمة الله واعلم يا عبد الله: أن الراسخين في العلم الذين اختارهم الله عن الاقتحام في السدد المضروبة دون الغيوب فلزموا الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فقالوا آمنا به كل من عند ربنا ، وقد مدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه منهم رسوخا فاقتصر على ذلك ولا تقدر عظمة الله على قدر عقلك فتكون من الهالكين.

أقول: قوله (عليه السلام) : واعلم يا عبد الله أن الراسخين في العلم الخ ظاهر في أنه (عليه السلام) أخذ الواو في قوله تعالى: والراسخون في العلم يقولون ، للاستيناف دون العطف كما استظهرناه من الآية ومقتضى ذلك أن ظهور الآية لا يساعد على كون الراسخين في العلم عالمين بتأويله ، لا أنه يساعد على عدم إمكان علمهم به ، فلا ينافي وجود بيان آخر يدل عليه كما تقدم بيانه وهو ظاهر بعض الأخبار عن أئمة أهل البيت كما سيأتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت